محمد جمال الدين القاسمي

133

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

حديث عمار ما نصه : قد استدل المصنف ( يعني البخاريّ ) بهذا الحديث على عدم لزوم الذراعين في التيمم في موضع . وعلى عدم وجوب الضربة الثانية في موضع آخر ، وكذا سيجيء في الروايات هذا الحديث أنه صلى اللّه عليه وسلم قدم في هذه الواقعة الكفين على الوجه . فاستدل به القائل لعدم لزوم الترتيب . فلعل القائل بخلاف ذلك يقول : إن هذا الحديث ليس مسوقا لبيان عدد الضربات ولا لبيان تحديد اليد في التيمم ولا لبيان عدم لزوم الترتيب . بل ذلك أمر مفوض إلى أدلة خارجة ، وإنما هو مسوق لرد ما زعمه عمار من أن الجنب يستوعب البدن كله ، والقصر في قوله : ( إنما كان يكفيك ) معتبر بالنسبة إليه . كما هو القاعدة أن القصر يعتبر بالنظر إلى زعم المخاطب . فالمعنى : إنما يكفيك استعمال الصعيد في عضوين : وهما الوجه واليد . وأشار إلى اليد ب ( الكف ) . ولا حاجة إلى استعماله في تمام البدن . وعلى هذا يستدل على عدد الضربات وتحديد اليد ولزوم الترتيب أو عدمه بأدلة أخر . كحديث : التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين . وغير ذلك . فإنه صحيح كما نص عليه بعض الحفاظ . وهو مسوق لمعرفة عدد الضربات وتحديد اليد ، فيقدم على غير المسوق لذلك . واللّه تعالى أعلم . انتهى كلامه . وقوله : فإنه حديث صحيح ، فيه ما تقدم . وقد قال الإمام ابن القيم في ( زاد العماد ) في ( فصل هديه صلى اللّه عليه وسلم بالتيمم ) ما نصه : كان صلى اللّه عليه وسلم يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين . ولم يصح عنه أنه تيمم بضربتين ولا إلى المرفقين . قال الإمام أحمد : من قال : إن التيمم إلى المرفقين فإنما هو شيء زاده من عنده . وكذلك كان يتيمم بالأرض التي يصلي عليها . ترابا كانت أو سبخة أو رملا . وصح عنه أنه قال : حيثما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره . وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في الرمل فالرمل له طهور . ولما سافر صلى اللّه عليه وسلم هو وأصحابه في غزوة تبوك ، قطعوا تلك الرمال في طريقهم ، وماؤهم في غاية القلة . ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب ، ولا أمر به ، ولا فعله أحد من أصحابه . مع القطع بأن في المفاوز ، الرمال أكثر من التراب . وكذلك أرض الحجاز وغيره . ومن تدبر هذا قطع بأنه كان يتيمم بالرمل . واللّه أعلم . وهذا قول الجمهور . وأما ما ذكر في صفة التيمم من وضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور اليمنى ، ثم إمرارها إلى المرفق ، ثم إدارة بطن كفه على بطن الذراع ، وإقامة إبهامه اليسرى كالمؤذن إلى أن يصل إلى إبهامه اليمنى ، فيطبقها عليها - فهذا مما يعلم