محمد جمال الدين القاسمي

122

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أي ولم تجدوا بقربكم ماء تستعملونه . ومنه فقد من يناوله إياه ، أو خشيته الضرر به أَوْ عَلى سَفَرٍ لا تجدونه فيه أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أي أو كنتم محدثين . والغائط هو المكان المنخفض . فالمجيء منه كناية عن الحدث . لأن المعتاد أن من يريده يذهب إليه ليواري شخصه عن أعين الناس . قال الخازن : كانت عادة العرب إتيان الغائط للحدث . فكنوا به عن الحدث . وذلك أن الرجل منهم ، كان إذا أراد قضاء الحاجة ، طلب غائطا من الأرض ، يعني مكانا منخفضا منها يحجبه عن أعين الناس . فسمي الحدث بهذا الاسم . فهو من باب تسمية الشيء باسم مكانه . انتهى . وإسناد المجيء إلى واحد مبهم من المخاطبين دونهم ، للتفادي عن التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا منه أو يستهجن التصريح به . كذا قاله أبو السعود . ثم قال : وكذلك إيثار الكناية فيما عطف عليه من قوله عز وجل أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ على التصريح بالجماع . قال الشهاب : وفي ذكر ( أحد ) دون غيره إشارة إلى أن الإنسان ينفرد عند قضاء الحاجة كما هو دأبه وأدبه فَلَمْ تَجِدُوا ماءً قال المهايميّ : أي فلا تستحيوا من اللّه ، بل اعتذروا إليه فَتَيَمَّمُوا أي اقصدوا صَعِيداً أي ترابا أو وجه الأرض طَيِّباً أي طاهرا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً تعليل للترخيص والتيسير ، وتقرير لهما . فإن من عادته المستمرة أن يعفو عن الخاطئين ويغفر للمذنبين ، لا بد أن يكون ميسرا لا معسرا . وفي هذه الآية مسائل : الأول - الظاهر أن قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا راجع إلى جميع ما قبلها وحينئذ لا يجوز التيمم في الكل إلا عند عدم الماء . وأما ما قيل أنه راجع إلى قوله تعالى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ لأنه قد وجد المانع هاهنا من تقييد السفر والمرض ، بعدم الوجود للماء ، وهو أن كل واحد منهما عذر مستقل في غير هذا الموضع كالصوم - فلا يفيد . لأن عدم الوجود معتبر فيهما لإباحة التيمم قطعا . إذ ليس السفر بمجرده مبيحا . وكذلك المرض . وأما ما يقال من أنه قد يباح للمريض التيمم مع وجود الماء إذا خشي الضرر به ، فعدم الوجود في حقه إذن غير قيد . فالجواب : أن هذا داخل تحت عدم الماء لأن من تعذر عليه استعماله هو ، عادم له ، إذ ليس المراد الوجود الذي لا ينفع . فمن كان يشاهد ماء في قعر بئر ، يتعذر عليه الوصول إليه بوجه من الوجوه ، فهو عادم له . وهكذا خوف السبيل الذي يسلك إلى الماء . وهكذا من كان يحتاجه للشرب فهو عادم له . ولئن سلمنا ، تنزلا ، أن المراد مطلق الوجود فنقول : المدعي أنه تعالى جوز التيمم للمريض إذا لم يجد الماء .