ابن فهد الحلي

226

عدة الداعي ونجاح الساعي

قس عملك جملته إلى آحاد ما تتصرف فيه من نعمه من مأكل ومشرب لا تجده ناهضا باليسير من ذلك . روى أن بعض الوعاظ دخل يوما على هارون الرشيد فقال له : عظني فقال : يا أمير المؤمنين أتراك لو منعت شربة من ماء عند عطشك بم كنت تشتريها ؟ قال بنصف ملكي فقال يا أمير المؤمنين أتراها لو حبست عنك عند خروجها بم كنت تشتريها ؟ قال : بنصف الباقي ، قال : فلا يغرنك ملك قيمته شربة ماء . فيا هذا كم تتناول في يومك وليلتك ؟ وأنت ترى الأجير يعمل طول النهار بدرهمين ، والحارس يسهر جملة الليل بدانقين ، وكذلك أصحاب الصناعات والحرف كالطباخ والخباز تراهم يعملون جملة النهار وطرفي الليل وقيمة ذلك دراهم معدودة ، وإذا صرفت الفعل إلى الله تعالى فصمت يوما واحدا قال : الصوم لي وانا اجزى به قال تبارك وتعالى : أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر بقلب بشر ( 1 ) . هذا يومك الذي قيمته درهمان مع احتمال التعب العظيم صار له هذه القيمة بنسبته إلى الله . ولو قمت ليلة لله تعالى قال ( فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قر ة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) ( 2 ) فهذا الذي قيمته دانقان ، ولو سجدت لله سجدة حتى غشيك فيه النعاس باهى الله بك الملائكة ، وكم قيمة زمان السجدة ؟ مع ما حصل فيها من النوم والغفلة ، لكن لما نسبت إلى الحق جل جلاله بلغت قيمته من الجلالة والنفاسة هذا المقدار بل لو جعلت لله ساعة تصلى فيها ركعتين خفيفتين ، بل نفسا تقول فيه ، لا إله إلا الله قال الله تعالى ( ومن يعمل من الصالحات من ذكرا وأنثى فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ) ( 3 ) .

--> ( 1 ) قد تقدمت الرواية ونظائرها في ص 99 عند توصيف الجنة ونعيمها . ( 2 ) السجدة : 17 . ( 3 ) المؤمن : 43 .