ابن فهد الحلي

195

عدة الداعي ونجاح الساعي

فقال : كان والله بعيد المدى ( 1 ) شديد القوى يقول : فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته ، وكان والله غزير العبرة ( 2 ) طويل الفكرة يقلب كفيه ويخاطب نفسه ويناجي ربه ، يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جش ( 3 ) كان والله فينا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا سألناه ، وكنا مع دنوه منا وقربنا منه لا نكلمه لهيبته ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته ، فان تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ويحب المساكين لا يطمع القوى في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله . وأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ( 4 ) وغارت نجومه وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم ( 5 ) ويبكى بكاء الحزين ، فكأني الآن أسمعه وهو يقول : يا دنيا يا دنيا أبى تعرضت أم إلى تشوقت ؟ هيهات هيهات ( لا حان حينك ) غرى غيري لا حاجة لي فيك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة ( لي فيك ) فيها ، فعمرك قصير وخطرك يسير وأملك حقير آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق وعظيم المورد فوكفت دموع معاوية ( لعنة الله ) على لحيته فنشفها بكمه واختنق القوم بالبكاء ، ثم قال : كان والله أبو الحسن كك ، فكيف كان حبك إياه ؟ قال : كحب أم موسى

--> ( 1 ) المدى بفتحتين : الغاية والنهاية ، ومنه الحديث من أوصى بثلث ماله فقد بلغ المدى ( المجمع ) . ( 2 ) العبرة بالفتح فالسكون : تحلب الدمع ، أو تردد البكاء في الصدر ج عبرات ( المجمع ) . ( 3 ) في الحديث كان رسول الله ( ص ) يأكل الجشب - هو بفتح الجيم وسكون الشين - الغليظ الخشن ( المجمع ) . ( 4 ) أرخيت الستر : أرسلته . السدول جمع سدل - بفتحتين - هو ما أسبل على الهودج ( پرده ) ( المجمع ) . ( 5 ) يتململ على فراشه إذا لم يستقر من الوجع ( ص ) السليم : اللديغ أو الجريح الذي أشرف على الهلاك ( المجمع ) .