محمد جمال الدين القاسمي

96

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

لكونه متلبسا بِالْحَقِّ من جميع الوجوه لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الاعتقادات والأعمال التي كانوا عليها قبل ذلك أمة واحدة ، فسلكوا بهم ، بعد جهد ، السبيل الأقوم ، ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل ، فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أي : الكتاب الهادي الذي لا لبس فيه ، المنزل لإزالة الاختلاف إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ أي : علموه فبدّلوا نعمة اللّه بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف . ولم يكن اختلافهم لالتباس عليهم من جهته بل مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ - أي : الدلائل الواضحة - بَغْياً بَيْنَهُمْ أي : حسدا وقع بينهم فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالكتاب لِمَا اخْتَلَفُوا أي : أهل الضلالة فِيهِ مِنَ الْحَقِّ أي : للحق الذي اختلفوا فيه . وفي إبهامه أولا ، وتفسيره ثانيا ، ما لا يخفى من التفخيم ، بِإِذْنِهِ أي : بتيسيره ولطفه ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . تقرير لما سبق . وفي ( صحيح مسلم ) « 1 » عن عائشة : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان - إذا قام من الليل يصلّي - يقول : اللهمّ ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل ! فاطر السماوات والأرض ! عالم الغيب والشهادة ! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم . . ! . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 214 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 ) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ أي : من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين ، أي : والحال أنه لم يأتكم مثلهم بعد ، ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مثل في الفظاعة والشدة ، سنة اللّه التي لا تتبدّل مَسَّتْهُمُ استئناف وقع جوابا عما ينساق إليه الذهن ، كأنه قيل : كيف كان مثلهم ؟ فقيل : مسّتهم الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ أي : الشدائد والآلام وَزُلْزِلُوا أي : أزعجوا ، ممّا دهمهم من الأهوال والإفزاع ، إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة التي تكاد تهدّ الأرض وتدك الجبال حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ أي : انتهى أمرهم من الشدة إلى حيث اضطرهم الضجر إلى أن يقول الرسول - وهو أعلم الناس بشؤون اللّه تعالى ،

--> ( 1 ) أخرجه في : صلاة المسافرين وقصرها ، حديث 200 .