محمد جمال الدين القاسمي
91
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ورضي اللّه عن الإمام مالك حيث قال : أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لجدل هذا ؟ وكلّ من هؤلاء مخصوم بمثل ما خصم به الآخر . وهو من وجوه : أحدها : بيان أنّ العقل لا يحيل ذلك . والثاني : أنّ النصوص الواردة لا تحتمل التأويل . الثالث : أنّ عامة هذه الأمور قد علم أنّ الرسول جاء بها بالاضطرار . كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان . فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحجّ والصوم والصلاة وسائر ما جاءت به النبوات ؛ على أنّ الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأنّ العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية . فإذا كان هكذا ، فالواجب تلقّي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه ، واللّه يقول الحقّ وهو يهدي السبيل . قال البقاعيّ : وتجلي الملائكة في ظلل من الغمام أمر مألوف . منه ما في الصحيح عن البراء رضي اللّه عنه قال « 1 » : كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين ، فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو ، وجعل فرسه ينفر ، فلما أصبح أتى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر ذلك له ، فقال : تلك السكينة تنزلت بالقرآن ! . و عن أسيد بن حضير قال « 2 » : بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة ، وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس . فسكت فسكتت . فقرأ فجالت الفرس ، فسكت وسكتت الفرس . ثم قرأ فجالت الفرس . فانصرف . وكان ابنه يحيى قريبا منها . فأشفق أن تصيبه . فلما اجترّه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها . فلما أصبح حدّث النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . فقال : اقرأ يا ابن حضير ، اقرأ يا ابن حضير . قال : فأشفقت يا رسول اللّه أن تطأ يحيى وكان منها قريبا . فرفعت رأسي فانصرفت إليه . فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح . فخرجت حتى لا أراها . قال : وتدري ما ذاك ؟ قال : لا . قال : تلك الملائكة دنت لصوتك . ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها . لا تتوارى منهم . وقال البقاعيّ أيضا : لمّا كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد اللّه في الغمام لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور وقبة الزمان وما
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : فضائل القرآن ، 11 - باب فضل سورة الكهف . ( 2 ) أخرجه البخاري في : فضائل القرآن ، 15 - باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن .