محمد جمال الدين القاسمي

88

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقد قرئ في السبع ( ترجع ) بضمّ التاء بمعنى تردّ ، وبفتحها بمعنى تصير ، كقوله تعالى : أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [ الشورى : 53 ] . قال القفال : والمعنى في القراءتين متقارب . لأنها ترجع إليه تعالى ، وهو سبحانه يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة . تنبيهان الأول : لهذه الآية أشباه ونظائر تدلّ على أنّ هذا الوعيد أخرويّ . ولذا قال ابن كثير في معنى الآية : يقول تعالى مهددا للكافرين بمحمد صلوات اللّه وسلامه عليه هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ يعني : يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين ، فيجزى كلّ عامل بعمله : إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشرّ . . ! ولهذا قال تعالى : وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ . كما قال تعالى : كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى [ الفجر : 21 - 23 ] . وقال : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ . . . [ الأنعام : 158 ] الآية . الثاني : وصفه تعالى نفسه بالإتيان في ظلل من الغمام كوصفه بالمجيء في آيات أخر ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه أو صحّ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . والقول في جميع ذلك من جنس واحد . وهو مذهب سلف الأمّة وأئمتها : إنهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى اللّه عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل . والقول في صفاته كالقول في ذاته . واللّه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، فلو سأل سائل : كيف يجيء سبحانه أو كيف يأتي . . ؟ فليقل له : كيف هو في نفسه ؟ فإذا قال : لا أعلم كيفية ذاته ! فليقل له : وكذلك لا تعلم كيفية صفاته . . ! فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف . وقد أطلق غير واحد ، ممن حكى إجماع السلف ، منهم الخطابيّ : مذهب السلف أن صفاته تعالى تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها . وبعض الناس يقول : مذهب السلف إن الظاهر غير مراد . ويقول أجمعنا على أن الظاهر غير مراد . وهذه العبارة خطأ إمّا لفظا ومعنى ، أو لفظا لا معنى . لأن لفظ ( الظاهر ) فيه إجمال واشتراك . فإن