محمد جمال الدين القاسمي

86

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال الرازيّ : أصل هذه الكلمة من الانقياد . قال اللّه تعالى : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ البقرة : 131 ] . والإسلام إنما سمّي إسلاما لهذا المعنى . وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب . وهذا أيضا راجع إلى هذا المعنى . لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه . ومعنى الآية : ادخلوا في الاستسلام والطاعة . أي : استسلموا للّه وأطيعوه ولا تخرجوا عن شيء من شرائعه كَافَّةً حال من الضمير في ( ادخلوا ) وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي : طرقه التي يأمركم بها ف : إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 169 ] و : إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ [ فاطر : 6 ] وضمّ الطاء من ( خطوات ) وإسكانها لغتان : حجازية وتميمية . وقد قرئ بهما في السبع . إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . ظاهر العداوة أو مظهر لها . أي : بما أخبرناكم به في أمر أبيكم آدم عليه السلام وغيره ، مما شواهده ظاهرة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 209 ] فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 ) فَإِنْ زَلَلْتُمْ أي : عن الدخول في السلم مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ أي : الآيات الظاهرة على أنّ ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحقّ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب لا يعجزه الانتقام ممّن زلّ ولا يفوته من ضلّ حَكِيمٌ لا ينتقم إلّا بحقّ . وقوله فَاعْلَمُوا . . . إلخ نهاية في الوعيد . لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب . وربّما قال الوالد لولده : إن عصيتني فأنت عارف بي وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي . فيكون هذا الكلام - في الزجر - أبلغ من ذكر الضرب وغيره . فظهر تسبب الجزاء في الآية بما أشعر به من الزجر والتهديد على الشرط المشير إلى ذنبهم وجرمهم . هذا ، ومن الوجوه المحتملة في الآية ، أن يكون ( السلم ) المذكور فيها معناه الصلح والمسالمة وترك المنازعة والاختلاف . فمعنى ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كونوا متوافقين ومجتمعين في نصرة الدين ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بأن يحملكم على طلب الدنيا والمنازعة مع الناس . فتكون الآية حينئذ كقوله تعالى : وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [ الأنفال : 46 ] ، وقوله : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً