محمد جمال الدين القاسمي
83
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وتنسفك الدماء . وهذا كثير في القرآن المجيد . وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ أي : الزرع . وَالنَّسْلَ أي : المواشي الناتجة . قال بعض المحققين : وإنّ إهلاك الحرث والنسل كناية عن الإيذاء الشديد ، وإنّ التعبير به عن ذلك صار من قبيل المثل ؛ فالمعنى : يؤذي مسترسلا في إفساده ولو أدّى إلى إهلاك الحرث والنسل . وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ أي : لا يرضى فعله . قال الراغب : إن قيل : كيف حكم تعالى بأنه لا يحب الفساد وهو مفسد للأشياء ؟ قيل : الإفساد في الحقيقة : إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح ، وذلك غير موجود في فعل اللّه تعالى ، ولا هو آمر به ، ، ولا محبّ له ، وما يرى من فعله ويظهر بظاهره فسادا فهو بالإضافة إلينا واعتبارنا له كذلك . فأمّا بالنظر الإلهيّ فكله صلاح ، ولهذا قال بعض الحكماء : يا من إفساده إصلاح ! أي : ما نظنه إفسادا - لقصور نظرنا ومعرفتنا - فهو في الحقيقة إصلاح ؛ وجملة الأمر : إنّ الإنسان هو زبدة هذا العالم وما سواه مخلوق لأجله ، ولهذا قال تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ [ البقرة : 29 ] . والمقصد من الإنسان سوقه إلى كماله الذي رسخ له ، فإذن : إهلاك ما أمر بإهلاكه ، لإصلاح الإنسان وما منه أسباب حياته الأبدية . ولشرح هذه الجملة موضع آخر . - القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 206 ] وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ( 206 ) وَإِذا قِيلَ لَهُ على نهج العظة اتَّقِ اللَّهَ في النفاق ، واحذر سوء عاقبته . أو في الإفساد والإهلاك وفي اللجاج بالباطل أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ أي : حملته الأنفة وحميّة الجاهلية على الفعل بالإثم وهو التكبّر ؛ أو المعنى : أخذته الحميّة للإثم الذي في قلبه فمنعته عن قبول قول الناصح فَحَسْبُهُ أي : كافيه جَهَنَّمُ إذا صار إليها واستقرّ فيها جزاء وعذابا وَلَبِئْسَ الْمِهادُ أي : الفراش الذي يستقر عليه بدل فرش عزّته . قال الراغب : المهد معروف ، وتصور منه التوطئة ، فقيل لكلّ وطيء مهد . والمهاد يجعل تارة جمعا للمهد ، وتارة للآلة نحو فراش . وجعل جهنم مهادا لهم كما جعل العذاب مبشّرا به في قوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * [ آل عمران : 21 ] .