محمد جمال الدين القاسمي

73

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

إليها بعد الأمر بالزاد للسفر في الدنيا ، كما قال تعالى وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ [ الأعراف : 26 ] ، لما ذكر اللباس الحسيّ نبّه مرشدا إلى اللباس المعنويّ وهو الخشوع والطاعة ، وذكر أنّه خير من هذا وأنفع . وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي : اتقوا عقابي وعذابي في مخالفتي وعصياني يا ذوي العقول والأفهام ! فإنّ قضية اللبّ تقوى اللّه ، ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لبّ له . . ! كما قال تعالى : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الأعراف : 179 ] ! . وقد قرئ بإثبات الياء في اتَّقُونِ على الأصل ، وبحذفها للتخفيف ودلالة الكسرة عليه . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 198 ] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( 198 ) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ قال الراغب : كانت العرب تتحاشى من التجارة في الحجّ ، حتى إنّهم كانوا يتجنبون المبايعة إذا دخل العشر ، وحتى سمّوا من تولّى متجرا في الحجّ : الداج دون الحاج ؛ فأباح اللّه ذلك ؛ وعلى إباحة ذلك ، دلّ قوله : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ . . . - إلى قوله - لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ [ الحج : 27 ] وقوله : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ المزمل : 20 ] . وقد روى البخاريّ « 1 » عن ابن عباس قال : كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية فلما جاء الإسلام كأنّهم كرهوا ذلك حتى نزلت : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحجّ . ففي الآية الترخيص لمن حجّ في التجارة ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق - وهو المراد بالفضل هنا - ومنه قوله تعالى : فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ الجمعة : 10 ] . أي : لا إثم عليكم في أن تبتغوا في مواسم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الحج ، 150 - باب التجارة أيام الموسم والبيع في أسواق الجاهلية ، حديث 904 .