محمد جمال الدين القاسمي
65
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وقد يقال : العبرة في أمثاله بعمومه كما ذهب إليه ثلّة من السلف . فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود ، وابن الزبير ، وعلقمة ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، ومجاهد ، والنخعي ، وعطاء ، ومقاتل أنهم قالوا : الإحصار من عدوّ أو مرض أو كسر . وقال الثوريّ : الإحصار من كل شيء آذاه . و ثبت في ( الصحيحين ) « 1 » عن عائشة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت : يا رسول اللّه ! إني أريد الحجّ وأنا شاكية . فقال : حجّي واشترطي أن محلي حيث حبستني . ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله . ومن دلالة الآية ما قاله الراغب : إن ظاهرها يقتضي أن لا قضاء على المحصر لأنه قال فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ واقتصر عليه . وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ أي : الموضع الذي يحلّ فيه نحره ، وهو مكانه الذي يستقرّ فيه . يعني موضع الإحصار . وبلوغه إياه كناية عن ذبحه فيه ، واستعمال بلوغ الشيء محله في وصوله إلى ما يقصد منه - شائع . ولمّا اعتمر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه عام الحديبية ، وحصرهم كفّار قريش عن الدخول إلى الحرم ، حلقوا وذبحوا هديهم بها ولم يبعثوا به إلى الحرم . وقد ساق الإمام ابن القيّم في ( زاد المعاد ) بعض ما في قصة الحديبية من القواعد الفقهية في فصل قال فيه : ومنها أنّ المحصر ينحر هديه حيث أحصر من الحل أو الحرم ، وأنّه لا يجب عليه أن يواعد من ينحره في الحرم إذا لم يصل إليه ، وأنّه لا يتحلل حتى يصل إلى محله . بدليل قوله تعالى هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [ الفتح : 25 ] . ومنها أنّ الموضع الذي نحر فيه الهدي كان من الحلّ لا من الحرم ، لأنّ الحرم كله محل الهدي . وقال الإمام مالك في « الموطأ » « 2 » : من حبس بعدوّ فحال بينه وبين البيت ، فإنه يحلّ من كل شيء ، وينحر هديه ، ويحلق رأسه حيث حبس ، وليس عليه قضاء . قال « 3 » : فهذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدوّ كما أحصر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : النكاح ، 15 - باب الأكفاء في الدين . ومسلم في : الحج ، حديث 104 و 105 . ( 2 ) أخرجه في الموطأ في : الحج ، حديث 98 . ( 3 ) أخرجه في الموطأ في : الحج ، حديث 99 .