محمد جمال الدين القاسمي
62
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
التهلكة . . فقام أبو أيوب الأنصاريّ فقال : يا أيها الناس ! إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل ، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار . لما أعزّ اللّه الإسلام ، وكثر ناصروه ، فقال بعضنا لبعض سرّا - دون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - إنّ أموالنا قد ضاعت ، وإنّ اللّه قد أعزّ الإسلام ، وكثر ناصروه ، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها ! فأنزل اللّه تعالى على نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم يردّ علينا ما قلنا وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ فكانت التهلكة الإقامة على الأموال ، وإصلاحها ، وتركنا الغزو . فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل اللّه حتى دفن بأرض الروم . هذا حديث حسن غريب صحيح . أقول : إنكار أبي أيوب رضي اللّه عنه إمّا لكونه لا يقول بعموم اللفظ بل بخصوص السبب ، وإمّا لردّ زعم أنها نزلت في القتال . أي : في حمل الواحد على جماعة العدوّ كما تأولوها . وهذا هو الظاهر . وإلّا فاللفظ يقتضي العموم ، ووروده على السبب لا يصلح قرينة لقصره على ذلك . ولا شبهة أنّ التعبد إنما هو باللفظ الوارد وهو عام . وقد استشهد بعموم الآية عمرو بن العاص فيما رواه ابن أبي حاتم بسنده : أن عبد الرحمن الأسود بن عبد يغوث أخبر أنهم حاصروا دمشق . فانطلق رجل من أزد شنوءة فأسرع إلى العدوّ وحده ليستقبل ، فعاب ذلك عليه المسلمون ، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص ، فأرسل إليه عمرو فردّه . وقال عمرو : قال اللّه وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ! . وقد روي في سبب نزولها آثار ضعيفة ساقها ابن كثير وهي - واللّه أعلم - من باب صدق عمومها على ما رووه . تنبيه : قال الحاكم : تدلّ الآية على جواز الهزيمة في الجهاد إذا خاف على النفس . وتدلّ على جواز ترك الأمر بالمعروف إذا خاف ، لأنّ كل ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة . وتدلّ على جواز مصالحة الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين . كما فعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عام الحديبية . وكما فعله أمير المؤمنين علىّ عليه السلام بصفين . وكما فعله الحسن عليه السلام من مصالحة معاوية . وتدلّ أيضا على جواز مصالحة الإمام بشيء من أموال الناس إذا خشي التهلكة . ويؤيده أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أراد أن يصالح يوم الأحزاب بثلث ثمار المدينة حتى شاور سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فأشارا بترك ذلك . وهو لا يعزم إلا على ما يجوز .