محمد جمال الدين القاسمي

55

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ذلك . وقد روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : من اقتبس علما من النجوم اقتبس بابا من السحر . زاد ما زاد . أخرجه الإمام أحمد « 1 » وأبو داود « 2 » وابن ماجة « 3 » عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . و قال عليّ رضي اللّه عنه : من طلب علم النجوم تكهّن . وهو من العلم الذي قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : علم لا ينفع ، وجهل لا يضرّ ! والمقصود أنّ الجواب ، على الرواية الثانية ، من الأسلوب الحكيم . إشعارا بأنّ الأولى السؤال عن الحكمة فيه . قال السكاكيّ في ( المفتاح ) : ولهذا النوع - أعني إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر - أساليب متفنّنة ، إذ ما من مقتضى كلام ظاهريّ إلّا ولهذا النوع مدخل فيه بجهة من جهات البلاغة . ترشد إليه تارة بالتصريح ، وتارة بالفحوى . ولكلّ من تلك الأساليب عرق في البلاغة يتشرب من أفانين سحرها ، ولا كأسلوب الحكيم فيها . وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب كما قال : أتت تشتكي عندي مزاولة القرى ، * وقد رأت الضيفان ينحون منزلي فقلت ، كأني ما سمعت كلامها : * هم الضيف . جدّي في قراهم وعجّلي أو السائل بغير ما يتطلب كما قال تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ . . الآية قالوا في السؤال : ما بال الهلال يبدو دقيقا . . ! إلخ ؟ فأجيبوا بما ترى . وكما قال : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ : ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ البقرة : 215 ] . سألوا عن بيان ما ينفقون ، فأجيبوا ببيان المصرف . ينزل سؤال السائل منزلة سؤال غير سؤاله ، لتوخّي التنبيه له بألطف وجه على تعديه عن موضع سؤال هو أليق بحاله أن يسأل عنه ، أو أهمّ له إذا تأمل . وأنّ هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام فحرك من نشاط السامع ما سلبه حكم الوقور ، وأبرزه في معرض المسحور ؛ وهل ألان شكيمة الحجاج لذلك الخارجيّ ، وسلّ سخيمته ، حتى آثر أن يحسن ، على أن يسيء ؛ غير أن سحره بهذا الأسلوب ؟ إذ توعده الحجاج بالقيد في قوله « لأحملنك على الأدهم ! » فقال متغابيا : مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب ! مبرزا وعيده في معرض الوعد ، متوصلا أن يريه بألطف

--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في : صفحة 227 من الجزء الأول ( طبعة الحلبيّ ) وحديث رقم 2000 . ونصه : ما اقتبس رجل علما من النجوم إلا اقتبس بها شعبة من السحر . ما زاد زاد . ( 2 ) أخرجه أبو داود في : الطب ، 22 - باب في النجوم ونصه : من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر ، زاد ما زاد . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة في : الأدب ، 28 - باب تعلّم النجوم ، حديث 3726 .