محمد جمال الدين القاسمي

482

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقوله سُبْحانَكَ أي تنزيها لك من العبث ، وأن تخلق شيئا بغير حكمة فَقِنا عَذابَ النَّارِ قال السيوطيّ : فيه استحباب هذا الذكر عند النظر إلى السماء . ذكره النوويّ في ( الأذكار ) . وفيه تعليم العباد كيفية الدعاء ، وهو تقديم الثناء على اللّه تعالى أولا ، كما دل عليه قوله سُبْحانَكَ ثم بعد الثناء يأتي الدعاء ، كما دل عليه فَقِنا عَذابَ النَّارِ . و عن فضالة بن عبيد رضي اللّه عنه قال : سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته ، لم يمجد اللّه تعالى ، ولم يصل على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : عجل هذا ، ثم دعاه فقال له أو لغيره : إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه سبحانه ، والثناء عليه ، ثم يصلي على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم يدعو بعد بما شاء - رواه أبو داود « 1 » والترمذيّ وقال : حديث صحيح . واعلم أنه لما حكى تعالى عن هؤلاء العباد المخلصين أنّ ألسنتهم مستغرقة بذكر اللّه تعالى ، وأبدانهم في طاعة اللّه ، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة اللّه ، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من اللّه أن يقيهم عذاب النار ، ثم أتبعوا ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي ، بقولهم : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 192 ] رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 192 ) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أهنته وأظهرت فضيحته لأهل الموقف . وسر هذا الاتباع عظم موقع السؤال ، لأن من سأل ربه حاجة ، إذا شرح عظمها وقوتها ، كانت داعيته في ذلك الدعاء - أكمل ، وإخلاصه في طلبه أشد ، والدعاء لا يتصل بالإجابة ، إلا إذا كان مقرونا بالإخلاص ، وهذا أيضا تعليم من اللّه تعالى فنّا آخر من آداب الدعاء وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ تذييل لإظهار نهاية فظاعة حالهم ، ببيان خلود عذابهم ، بفقدان من ينصرهم ، ويقوم بتخليصهم . وغرضهم تأكيد الاستدعاء . ووضع ( الظالمين ) موضع ضمير المدخلين ، لذمهم ، والإشعار بتعليل دخولهم النار بظلمهم ، ووضعهم الأشياء في غير مواضعها . وجمع ( الأنصار ) بالنظر إلى جمع الظالمين ، أي ما لظالم من الظالمين نصير من الأنصار . والمراد به من

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الوتر ، 23 - باب الدعاء ، حديث 1481 .