محمد جمال الدين القاسمي

478

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

روى الإمام أحمد « 1 » عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، أن مروان قال : اذهب يا رافع ( لبوابه ) إلى ابن عباس فقل : لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي ، وأحب أن يحمد بما لم يفعل ، لنعذبن أجمعون . فقال ابن عباس ما لكم وهذه ، إنما نزلت هذه في أهل الكتاب ، ثم تلا ابن عباس : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ - إلى قوله : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ، وقال ابن عباس : سألهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره ، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه . وهكذا رواه البخاريّ في التفسير ، ومسلم والترمذيّ والنسائيّ في تفسيريهما ، وابن أبي حاتم وابن خزيمة والحاكم في مستدركه ، وابن مردويه بنحوه . ورواه البخاريّ « 2 » أيضا عن علقمة بن وقاص ، أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس - فذكره - وروى البخاريّ « 3 » عن أبي سعيد الخدريّ أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الغزو وتخلفوا عنه ، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإذا قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، فنزلت لا تَحْسَبَنَّ . . . الآية - وكذا رواه مسلم بنحوه . ولا منافاة بين الروايتين لأن الآية عامة في جميع ما ذكر ، ومعنى نزول الآية في ذلك وقوعها بعد ذلك ، لا أن أحد الأمرين كان سببا لنزولها . كما حققناه غير مرة . تنبيه : هذه الآية ، وإن كانت محمولة على الكفار لما تقدم ، ففيها ترهيب للمؤمنين عما ذم عليه أهلها من الإصرار على القبائح والفرح بها ومحبة المدح بما عرا عنه من الفضائل . ويدخل في ذلك المراؤون المتكثرون بما لم يعطوا ، كما جاء في الصحيحين « 4 » عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده اللّه إلا قلة .

--> ( 1 ) أخرجه في المسند بالصفحة 298 من ج 1 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 3 - سورة آل عمران ، 16 - باب لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا ، حديث 1988 . ( 3 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 3 - سورة آل عمران ، 16 - باب لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا ، حديث 1987 . ( 4 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 176 ونصه : عن ثابت بن الضحاك عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قال « ليس على رجل نذر فيما لا يملك . ولعن المؤمن كقتله . ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب يوم القيامة . ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة . ومن حلف على يمين صبر فاجرة » .