محمد جمال الدين القاسمي

474

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ * [ الرحمن : 26 - 27 ] . وفي هذه الآية تعزية لجميع الناس ، ووعد ووعيد للمصدق والمكذب وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي تعطون جزاء أعمالكم وافيا يوم القيامة ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . قال الزمخشريّ : فإن قلت . فهذا يوهم نفي ما يروى أن القبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ! « 1 » قلت : كلمة التوفية تزيل هذا الوهم ، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون ذلك اليوم ، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور . وقال الرازيّ : بيّن تعالى أن تمام الأجر والثواب لا يصل إلى المكلف إلا يوم القيامة ، لأن كل منفعة تصل إلى المكلف في الدنيا فهي مكدرة بالغموم والهموم ، وبخوف الانقطاع والزوال ، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل إلى المكلف يوم القيامة ، لأن هناك يحصل السرور بلا غم ، والأمن بلا خوف ، واللذة بلا ألم ، والسعادة بلا خوف الانقطاع . وكذا القول في العقاب ، فإنه لا يحصل في الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة ، بل يمتزج به راحات وتخفيفات ، وإنما الألم التام الخالص الباقي هو الذي يكون يوم القيامة ، نعوذ باللّه منه . فَمَنْ زُحْزِحَ أي أبعد عَنِ النَّارِ التي هي مجمع الآفات والشرور وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ الجامعة للّذات والسرور فَقَدْ فازَ أي حصل الفوز العظيم ، وهو الظفر بالبغية ، أعني النجاة من سخط اللّه والعذاب السرمد ، ونيل رضوان اللّه والنعيم المخلد . وروى الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمرو بن

--> ( 1 ) أخرجه الترمذيّ في : القيامة ، 26 - باب حدثنا محمد بن أحمد بن مردويه ونصه : عن أبي سعيد قال : دخل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مصلاه فرأى ناسا كأنهم يكشرون ، قال « أما إنكم لو أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى الموت . فأكثروا ذكر هادم اللذات ، الموت . فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه . فيقول : أنا بيت الغربة وأنا بيت الوحدة وأنا بيت التراب وأنا بيت الدود . فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر : مرحبا وأهلا . أما إن كنت لأحبّ من يمشي على ظهري إليّ . فإذا وليتك اليوم وصرت إليّ ، فسترى صنيعي بك . قال : فيتسع له مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة . وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر فقال له القبر : لا مرحبا ولا أهلا . أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إليّ . فإذا وليتك اليوم وصرت إليّ ، فسترى صنيعي بك . قال : فيلتئم عليه حتى تلتقي عليه وتختلف أضلاعه » . قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأصابعه . فأدخل بعضها في جوف بعض . قال : ويقيض الله له سبعين تنينا ، لو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا . فينهشه ويخدشه حتى يفضي به إلى الحساب . قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار » .