محمد جمال الدين القاسمي

464

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

خاسرة ، وصف عذابهم بالإيلام مراعاة لذلك - انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 178 ] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 178 ) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ أي بتطويل أعمارهم وإمهالهم وتخليتهم وشأنهم دهرا طويلا خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ بل هو سبب مزيد عذابهم ، لأنه إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً بكثرة المعاصي فيزدادوا عذابا وَلَهُمْ أي في الآخرة عَذابٌ مُهِينٌ ذو إهانة في أسفل دركات النار . لطائف الأولى : في ( ما ) - من قوله تعالى أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ الأولى - وجهان : أن تكون مصدرية أو موصولة ، حذف عائدها . أي إملاؤنا لهم أو الذي نمليه لهم . الثانية : كان حق ( ما ) في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ، ولكنها وقعت في الإمام متصلة ، فلا يخالف ، وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف . الثالثة : ( ما ) الثانية في أَنَّما نُمْلِي إلخ متصلة لأنها كافّة . الرابعة : في قوله تعالى مُهِينٌ سر لطيف ، وهو أنه لما تضمن الإملاء التمتيع بطيبات الدنيا وزينتها ، وذلك مما يستدعي التعزز والتجبر ، وصف عذابهم بالإهانة ، ليكون جزاؤهم جزاء وفاقا . ثم أشار سبحانه وتعالى إلى بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد ، وهو أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب . فإن المسلمين لما أظهرهم اللّه على أعدائهم يوم بدر ، وطار لهم الصيت ، دخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا ، فاقتضت حكمة اللّه عز وجل أن سبّب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق ، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة ، وتكلموا بما كانوا يكتمونه ، وظهر مخبآتهم ، وعاد تلويحهم صريحا ، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق ، انقساما ظاهرا ، وعرف المؤمنون أن لهم عدوا في نفس دورهم ، وهم معهم لا يفارقونهم ، فاستعدوا لهم ، وتحرزوا منهم فقال تعالى :