محمد جمال الدين القاسمي
443
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
عن قول القائل بعد فوات الأمر : لو أني فعلت كذا وكذا . وقال : إنها تفتح عمل الشيطان . وأرشده إلى ما هو أنفع له من هذه الكلمة ، وهو أن يقول : قدر اللّه ، وما شاء فعل . وذلك لأن قوله : لو كنت فعلت كذا وكذا لم يفتني ما فاتني أو لم أقع فيما وقعت فيه ، كلام لا يجدي عليه فائدة البتة . فإنه غير مستقبل لما استدبر من أمره ، وغير مستقيل عثرته ب ( لو ) . وفي ضمن ( لو ) ادعاء أن الأمر لو كان كما قدره في نفسه ، لكان غير ما قضاه اللّه وقدره وشاءه ، فإنّ ما وقع مما يتمنى خلافه ، إنما وقع بقضاء اللّه وقدره ومشيئته . فإذا قال : لو أني فعلت كذا لكان خلاف ما وقع ، فهو محال ، إذ خلاف المقدّر المقضيّ محال . فقد تضمن كلامه كذبا وجهلا ومحالا . وإن سلم من التكذيب بالقدر لم يسلم من معارضته بقوله : لو أني فعلت لدفعت ما قدر عليّ . فإن قيل : ليس في هذا رد للقدر ولا جحد له ، إذ تلك الأسباب التي تمناها أيضا من القدر ، فهو يقول : لو وفقت لهذا القدر لاندفع به عني ذلك القدر ، فإن القدر يدفع بعضه ببعض ، كما يدفع قدر المرض بالدواء ، وقدر الذنوب بالتوبة ، وقدر العدو بالجهاد ، فكلاهما من القدر . قيل : هذا حق ، ولكن هذا ينفع قبل وقوع القدر المكروه . وأما إذا وقع فلا سبيل إلى دفعه ، وإن كان له سبيل إلى دفعه أو تخفيفه بقدر آخر فهو أولى به من قوله : لو كنت فعلته ، بل وظيفته في هذه الحالة أن يستقبل فعله الذي يدفع به أو يخفف ، ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه ، فإنه عجز محض ، واللّه يلوم على العجز ، ويحب الكيس ويأمر به . والكيس هو مباشرة الأسباب التي ربط اللّه بها مسبباتها النافعة للعبد في معاشه ومعاده ، فهذه تفتح عمل الخير والأمر ، وأما العجز فإنه يفتح عمل الشيطان . فإنه إذا عجز عما ينفعه وصار إلى الأمانيّ الباطلة بقوله : لو كان كذا وكذا ، ولو فعلت كذا ، يفتح عمل الشيطان ، فإن بابه العجز والكسل . ولهذا استعاذ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم منهما . وهو مفتاح كل شر ، ويصدر عنهما الهم والحزن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال . فمصدرها كلها عن العجز والكسل ، وعنوانها ( لو ) ، فلذلك قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : فإن ( لو ) تفتح عمل الشيطان ، فالمتمني من أعجز الناس وأفلسهم ، فإن المنى رأس أموال المفاليس ، والعجز مفتاح كل شر ، وأصل المعاصي كلها العجز ، فإن العبد يعجز عن أسباب أعمال الطاعات ، وعن الأسباب التي تعرضه عن المعاصي ، ويحول بينها وبينه ، فيقع في المعاصي .
--> بالله . ولا تعجز . وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا . ولكن قل : قدّر اللّه وما شاء فعل . فإن ( لو ) تفتح عمل الشيطان » .