محمد جمال الدين القاسمي
439
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الإنكار . أي ما لنا أمر يطاع . ونظيره ما حكاه اللّه عنهم أنهم قالوا : لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا [ آل عمران : 168 ] . وذلك أن عبد اللّه بن أبيّ لما شاوره النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في هذه الواقعة ، أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة ، ثم إن الصحابة ألحوا على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في أن يخرج إليهم ، كما تقدم : ولما رجع عبد اللّه بن أبيّ بمن معه ، وأخبر بكثرة القتلى من بني الخزرج ، قال : هل لنا من الأمر شيء ؟ يعني أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لم يقبل قولي حين أمرته بأنه يبقى في المدينة ولا يخرج منها قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ أي التدبير كله للّه ، فإنه تعالى قد دبر الأمر كما جرى في سابق قضائه فلا مردّ له . قال الإمام ابن القيّم قدس اللّه روحه : ليس مقصودهم بقولهم : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ وقولهم : لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا . إثبات القدر ، ورد الأمر كله إلى اللّه . ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لما ذموا عليه ، لما حسن الرد عليهم بقوله : إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ . ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية . ولهذا قال غير واحد من المفسرين : إن ظنهم الباطل هاهنا هو التكذيب بالقدر ، وظنهم أن الأمر لو كان إليهم ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه تبعا لهم ، ويسمعون منهم ، لما أصابهم القتل ، ويكون النصر والظفر لهم . فأكذبهم اللّه عز وجل في هذا الظن الباطل ، الذي هو ظن الجاهلية ، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل ، الذين يزعمون ، بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم يكن بد من نفاذه ، أنهم كانوا قادرين على دفعه ، وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء ، فأكذبهم اللّه بقوله : قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ . فلا يكون إلا ما سبق قضاؤه وقدره ، وجرى به علمه وكتابه السابق ، وما شاء اللّه كان ولا بد ، شاء الناس أم أبوا . وما لم يشأ لم يكن ، شاء الناس أو لم يشاءوه . وما جرى عليكم من الهزيمة والقتل ، فبأمره الكونيّ الذي لا سبيل إلى دفعه ، سواء كان لكم من الأمر شيء أو لم يكن ، وأنكم لو كنتم في بيوتكم ، وقد كتب القتل على بعضكم ، لخرج الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولا بد . سواء أن يكون لهم من الأمر شيء أو لم يكن . وهذا من أظهر الأشياء إبطالا لقول القدرية النفاة ، الذين يجوّزون أن يقع ما لا يشاؤه اللّه ، وأن يشاء ما لا يقع - انتهى - يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أي يضمرون فيها ، أو يقولون فيما بينهم بطريق الخفية ما لا يُبْدُونَ لَكَ لكونه لا يرضاه اللّه تعالى . ثم بين ذلك بعد إجماله فقال يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ أي المسموع شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا أي ما غلبنا ، أو ما قتل من قتل منا ، لأنا كنا نمكث في المدينة ولا نخرج إلى العدوّ . ولما أخبر تعالى بما أخفوه جهلا منهم ، ظنّا أن الحذر يغني من القدر ، أمره تعالى بالرد عليهم بقوله