محمد جمال الدين القاسمي

434

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يقال : أمن أمنا وأمانا وأمنا وأمنة ( محركتين ) وفي حديث « 1 » نزول عيسى عليه السلام ، وتقع الأمنة في الأرض ، أي الأمن . ومثله من المصادر العظمة والغلبة ، وهو منصوب على المفعولية . وقوله تعالى نُعاساً بدل من أَمَنَةً وقيل : هو المفعول ، و أَمَنَةً حال أو مفعول له يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وهم المخلصون ، أهل اليقين والثبات والتوكل الصادق ، والجازمون بأن اللّه عز وجل سينصر رسوله وينجز له مأموله . والنعاس في حال الحرب دليل على الأمان ، كما قال في سورة الأنفال : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ . . . [ الأنفال : 11 ] الآية . وروى البخاريّ « 2 » في التفسير عن أنس عن أبي طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافّنا يوم أحد ، قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه . ورواه الترمذيّ والنسائيّ والحاكم . ولفظ الترمذيّ « 3 » : قال أبو طلحة : رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر ، وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس . فذلك قوله تعالى : ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً . وقد ساق الرازيّ لذلك النعاس فوائد : منها أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم ، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدلّ الدلائل على أن حفظ اللّه وعصمته معهم . وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ، ويورثهم مزيد الوثوق بوعد اللّه تعالى - انتهى - ثم أخبر تعالى أن من لم يصبه ذلك النعاس فهو ممن أهمته نفسه ، لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه ، بقوله وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي ما بهم إلا هم أنفسهم وقد قصد خلاصها ، فلم يغشهم النعاس ، من القلق والجزع والخوف يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أي غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به سبحانه ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ كما قال تعالى في الآية الأخرى : بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً . . . [ الفتح : 12 ] الآية - وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة ، وأن الإسلام قد باد

--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2 / 406 ونصه : عن أبي هريرة أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال « الأنبياء إخوة لعلّات . أمهاتهم شتى ودينهم واحد . وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم . لأنه لم يكن بيني وبينه نبيّ . وإنه نازل . فإذا رأيتموه فاعرفوه . رجلا مربوعا إلى الحمرة والبياض ، عليه ثوبان ممصران . كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل . فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام . فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام . ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال . وتقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل ، والنمار مع البقر ، والذئاب مع الغنم . ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم . فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 3 - باب آل عمران ، 11 - باب أَمَنَةً نُعاساً . ( 3 ) أخرجه الترمذيّ في : التفسير ، 3 - باب آل عمران ، 15 - حدثنا عبد بن حميد .