محمد جمال الدين القاسمي

429

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وإن رأيتموهم ظهروا علينا ، فلا تعينونا - رواه البخاريّ - مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ أي من الظفر والغنيمة ، وانهزام العدوّ . روى البخاريّ « 1 » عن البراء قال : لقينا المشركين يومئذ ، وأجلس النبيّ صلى اللّه عليه وسلم جيشا من الرماة ، وأمّر عليهم عبد اللّه بن جبير وقال : لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم - بلفظ ما تقدم - ثم قال البراء : فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل ، رفعن عن سوقهن ، قد بدت خلاخلهن ، فأخذوا يقولون : الغنيمة الغنيمة . . . الحديث . مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا أي الغنيمة فترك المركز وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ فثبت فيه وهم الذين نالوا شرف الشهادة ، ومنهم أنس بن النضر الأسد المقدام ، القائل وقتئذ : اللهم ! إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون ، فتقدم بسيفه ، فلقي سعد بن معاذ ، فقال أين يا سعد ؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد ! فمضى فقتل ، فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم - هذا لفظ البخاريّ - وأخرجه مسلم بنحوه ، فرضي اللّه عنه وأرضاه وقدس روحه الزكية ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ أي كفكم عنهم حتى حالت الحال ، ودالت الدولة . وفيه من اللطف بالمسلمين ما لا يخفى لِيَبْتَلِيَكُمْ أي ليجعل ذلك الصرف محنة عليكم لتتوبوا إلى اللّه ، وترجعوا إليه ، وتستغفروه فيما خالفتم فيه أمره ، وملتم إلى الغنيمة . ثم أعلمهم أنه تعالى قد عفا عنهم بقوله وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ أي تفضلا عليكم لإيمانكم وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي في الأحوال كلها ، إما بالنصرة إما بالابتلاء ، فإن الابتلاء فضل ولطف خفيّ ، ليتمرنوا بالصبر على الشدائد ، والثبات

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : المغازي ، 17 - باب غزوة أحد وقول الله تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ . . . إلخ ، حديث 1442 وهذا نصه : عن البراء رضي الله عنه قال : لقد لقينا المشركين يومئذ ، وأجلس النبيّ صلى اللّه عليه وسلم جيشا من الرماة وأمّر عليهم عبد الله وقال « لا تبرحوا . إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا . وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا » . فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل ، يرفعن عن سوقهن ، قد بدت خلاخلهن . فأخذوا يقولون : الغنيمة ! الغنيمة ! فقال عبد الله : عهد إليّ النبي صلى اللّه عليه وسلم أن لا تبرحوا . فأبوا . فلما أبوا صرف وجوههم ، فأصيب سبعون قتيلا . وأشرف أبو سفيان فقال : أفي القوم محمد ؟ فقال « لا تجيبوه » فقال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ قال « لا تجيبوه » فقال : أفي القوم ابن الخطاب ؟ فقال : إن هؤلاء قتلوا . فلو كانوا أحياء لأجابوا ؟ فلم يملك عمر نفسه فقال : كذبت يا عدوّ اللّه ! أبقى الله عليك ما يخزيك . قال أبو سفيان : أعل هبل . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « أجيبوا » قالوا : ما نقول ؟ قال « قولوا : الله أعلى وأجلّ » . قال أبو سفيان : لنا العزّى ولا عزّى لكم . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « أجيبوه » قالوا : ما نقول ؟ قال « قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم » . قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر والحرب سجال . وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني .