محمد جمال الدين القاسمي
423
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قال الإمام ابن القيّم في ( زاد المعاد ) : ومنها - أي من الغايات في هذه الغزوة - أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصا بين يدي موت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فنبأهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو قتل . بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ، يموتوا عليه ويقتلوا ، فإنهم إنما يعبدون رب محمد وهو حيّ لا يموت . فلو مات محمد أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه ، وما جاء به ، فكل نفس ذائقة الموت ، وما بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم إليهم ليخلد ، لا هو ولا هم ، بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد ، فإن الموت لا بد منه ، فسواء مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو بقي . ولهذا وبخهم على رجوع من رجع منهم عن دينه لما صرخ الشيطان بأنه محمدا قد قتل ، فقال : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ . . . الآية - والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة ، فثبتوا عليها حتى ماتوا وقتلوا ، فظهر أثر هذا العتاب ، وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وارتد من ارتد على عقبيه ، وثبت الشاكرون على دينهم فنصرهم اللّه وأعزهم ، وأظفرهم بأعدائهم ، وجعل العاقبة لهم - انتهى - . وثبت في الصحيح « 1 » أن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه تلا هذه الآية يوم موت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وتلاها منه الناس كلهم ، والحديث مشهور . ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل نفس أجلا ، لا بد أن تستوفيه وتلحق به ، فيرد الناس كلهم حوض المنايا موردا واحدا ، وإن تنوعت أسبابه ، ويصدرون عن موقف القيامة مصادر شتى ، فريق في الجنة وفريق في السعير ، بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 145 ] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بأمره وإرادته كِتاباً مُؤَجَّلًا مصدر مؤكد لمضمون ما قبله ، أي كتب لكل نفس عمرها كتابا مؤقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر . وفي الآية تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال ، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه وَمَنْ يُرِدْ أي بعمله ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها أي ما نشاء أن نؤتيه ، ولم يكن له في الآخرة من نصيب ، وهو تعريض بمن
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : فضائل أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، 5 - باب قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : لو كنت متخذا خليلا .