محمد جمال الدين القاسمي

418

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الثاني : أن تكون العلة محذوفة وهذا عطف عليه معناه : وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت ، وليعلم اللّه . وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة ليسليهم عما جرى عليهم وليبصّرهم أن العبد يسوؤه ما يجري عليه من المصائب ، ولا يشعر أن للّه في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه - أفاده الزمخشري - تنبيه : في هذه الآية بحث مشهور ، وذلك بأن ظاهرها مشعر بأنه تعالى إنما فعل ذلك ليكتسب هذا العلم ، ومعلوم أن ذلك محال على اللّه تعالى ، ونظيرها في الإشكال قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ . . [ آل عمران : 142 ] إلخ . وقوله : وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [ العنكبوت : 3 ] وقوله : لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى . . [ الكهف : 12 ] وقوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [ محمد : 31 ] . وقوله : إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ [ البقرة : 143 ] . قال الرازيّ : وقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن اللّه تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها فقال : كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها . ولما كانت الدلائل القطعية دالة على أزلية علمه جل اسمه ، أجاب عن ذلك العلماء بأجوبة : منها - أن هذا من باب التمثيل . فالتقدير في هذه الآية : ليعاملكم معاملة من يريد أن يعلم المخلصين الثابتين على الإيمان من غيرهم . ومنها - أن العلم فيها مجاز عن التمييز بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب أي ليميز الثابتين على الإيمان من غيرهم . ومنها - أن العلم على حقيقته . إلا أنه معتبر من حيث تعلقه بالمعلوم من حيث إنه واقع موجود بالفعل ، أي ليعلم الثابت واقعا منهم كما كان يعلم أنه سيقع لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد ، وهذا ما اعتمده ابن القيّم كما نقلناه أولا . ومنها - أن الكلام على حذف مضاف . أي ليعلم أولياء اللّه ، فأضاف إلى نفسه تفخيما - واللّه أعلم .