محمد جمال الدين القاسمي
401
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
استشكلوا أنه صلى اللّه عليه وسلم خرج إلى أحد بعد صلاة الجمعة كما اتفقت عليه كلمة أهل السير ، فكيف المطابقة ؟ فمنهم من أجاب بأنه المراد غدوة السبت ، وأنه كان في صباحه التبوؤ للمقاعد إلا أنه لا يساعده ( من أهلك ) لأنه لم يكن وقتئذ أهله معه . ومنهم من قال : المراد غدوة الجمعة أي : اذكر إذ غدوت من أهلك صبيحة الجمعة إلى أصحابك في مسجدك تستشيرهم في أمر المشركين ، ثم قال : وبنى من ( غدوت ) حالا إعلاما بأن الشروع في السبب شروع في مسببه ، فقال ( تبوئ المؤمنين ) أي صبيحة يوم السبت . وكان يخطر لي أن الأقرب جعل الغدوّ بمعنى الخروج غير مقيد بالبكرة ، وكثيرا ما يستعمل كذلك . ثم رأيت في فتح البيان ما استظهرته فحمدت اللّه على الموافقة ونصه : وعبر عن الخروج بالغدوّ الذي هو الخروج غدوة مع كونه صلى اللّه عليه وسلم خرج بعد صلاة الجمعة ، لأنه قد يعبر بالغدوة والرواح عن الخروج والدخول من غير اعتبار أصل معناهما ، كما يقال ( أضحى ) وإن لم يكن في وقت الضحى - انتهى - قال البقاعيّ : ولما كان رجوع عبد اللّه بن أبيّ المنافق ، كما يأتي في صريح الذكر آخر القصة ، من الأدلة على أن المنافقين ، فضلا عن المصارحين بالمصارمة ، متصفون بإخبار اللّه تعالى عنهم من العداوة والبغضاء ، مع أنه كان سببا في هم الطائفتين من الأنصار بالفشل - كان إيلاء هذه القصة للنهي عن اتخاذ بطانة السوء الذين لا يقصرون عن فساد ، في غاية المناسبة . ولذلك افتتحها سبحانه بقوله مبدلا من ( إذ غدوت ) دليلا على ما قبله من أن بطانة السوء لا يألونهم خبالا . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 122 ] إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 122 ) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أي بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس أَنْ تَفْشَلا أي تكسلا وتجبنا وتضعفا لرجوع المنافقين عن نصرهم وولايتهم فعصمهما اللّه ، فمضيا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ناصرهما ، ومتولي أمرهما ، فأمدهما بالتوفيق والعصمة ، وَعَلَى اللَّهِ وحده دون ما عداه استقلالا أو اشتراكا فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ في جميع أمورهم ، فإنه حسبهم . و ( التوكل : تفعل )