محمد جمال الدين القاسمي

39

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

[ الأنبياء : 90 ] ، وقوله في ضدّ هؤلاء إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنبياء : 77 ] . . . . وتارة يأتي بأداة ( لولا ) الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها ، كقوله فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ الصافات : 113 - 114 ] . . . وتارة يأتي ب ( لو ) الدالة على الشرط ، كقوله وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [ النساء : 66 ] . . . . وبالجملة : فالقرآن - من أوله إلى آخره - صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب ، بل ترتب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال . ومن تفقّه في هذه المسألة ، وتأملها حقّ التأمل ، انتفع بها غاية النفع ، ولم يتكل على القدر جهلا منه وعجزا وتفريطا وإضاعة ؛ فيكون توكلّه عجزا ، وعجزه توكّلا . . ! بل الفقيه - كلّ الفقيه - الذي يردّ القدر بالقدر ، ويدفع القدر بالقدر ، ويعارض القدر بالقدر . لا يمكن للإنسان أن يعيش إلّا بذلك . . ! فإنّ الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر . والخلق كلهم ساعون في دفع هذا القدر . . ! وهكذا من وفّقه اللّه وألهمه رشده يدفع قدر العقوبة الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة . . ! فهذا وزن القدر المخوف في الدنيا وما يضادّه ، فربّ الدارين واحد ، وحكمته واحدة لا يناقض بعضها بعضا . ولا يبطل بعضها بعضا ، فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها ، ورعاها حقّ رعايتها . . ! واللّه المستعان . ولكن يبقى عليه أمران بهما تتمّ سعادته وفلاحه : أحدهما : أن يعرف تفاصيل أسباب الشرّ والخير ويكون له بصيرة في ذلك بما شهده في العالم ، وما جرّبه في نفسه وغيره ، وما سمعه من أخبار الأمم قديما وحديثا . ومن أنفع ما في ذلك : تدبّر القرآن ، فإنّه كفيل بذلك على أكمل الوجوه ، وفيه أسباب الخير والشر جميعا مفصّلة مبينة ؛ ثم السنة فإنها شقيقة القرآن وهي الوحي الثاني . ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما من غيرهما ، وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما ، حتى كأنك تعاين ذلك عيانا . . . ! وبعد ذلك ، فإذا تأملت أخبار الأمم ، وأيام اللّه في أهل طاعته وأهل معصيته ، طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنّة ، ورأيته بتفاصيل ما أخبر اللّه به ووعد به . وعلمت من آياته في الآفاق ما يدلك على