محمد جمال الدين القاسمي

389

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

من أهل الكتاب وخلع الباطل ولم يراع سلفا ولا خلفا ، وتذكيرا لقوله تعالى : مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ أي ليس أهل الكتاب متساوين ومتشاركين في المساوئ . ثم استأنف قوله بيانا لعدم استوائهم مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ . في قوله تعالى قائِمَةٌ وجوه : الأول - أنها قائمة في الصلاة ، وعبّر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل كقوله تعالى : وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً [ الفرقان : 64 ] . وقوله : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ [ المزمل : 20 ] . وقوله : قُمِ اللَّيْلَ [ المزمل : 2 ] . وقوله : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [ البقرة : 238 ] . والثاني - أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ، ملازمة له ، غير مضطربة في التمسك به ، كقوله : إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [ آل عمران : 75 ] أي ملازما للاقتضاء ، ثابتا على المطالبة . ومنه قوله تعالى : قائِماً بِالْقِسْطِ [ آل عمران : 18 ] . الثالث - أنها مستقيمة عادلة من قولك : أقمت العود فقام ، بمعنى استقام . والآناء الأوقات واحدها ( إنا ) مثل ( معي ) و ( أمعاء ) و ( إني ) مثل ( نحي ) و ( أنحاء ) وقوله تعالى : وَهُمْ يَسْجُدُونَ جملة مستقلة مستأنفة ، وليست حالا من فاعل يَتْلُونَ لما صح في السنة من النهي عن التلاوة في السجود ، وذلك فيما رواه الإمام أحمد ومسلم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا ، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم « 1 » . فمعنى الآية أنهم يقومون تارة ويسجدون أخرى ، يبتغون الفضل والرحمة كقوله تعالى : وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً [ الفرقان : 64 ] . وقوله : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [ الزمر : 7 ] . ويحتمل أن يكون المعنى : وهم يصلون ، والصلاة تسمى سجودا وسجدة كما تسمى ركوعا وركعة وتسبيحا وتسبيحة . وعليه فالجملة يجوز فيها الوجهان ، وتكرير الإسناد لتقوية الحكم وتأكيده . ثم وصفهم تعالى بصفات أخر ، مبينة لمباينتهم اليهود من جهة أخرى ، بقوله :

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الصلاة ، حديث 207 .