محمد جمال الدين القاسمي
377
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
نظام المعاش والمعاد . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » : من فارق الجماعة قيد شبر لم ير بحبوحة الجنة . و قال « 2 » : اللّه مع الجماعة . ألا ترى أن الجمعية الإنسانية إذا لم تنضبط برئاسة القلب ، وطاعة العقل ، كيف اختل نظامها ، وآلت إلى الفساد والتفرق ، الموجب لخسار الدنيا والآخرة . ولما نزل قوله تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ، خط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خطّا فقال « 3 » : هذا سبيل الرشد ، ثم خط عن يمينه وشماله خطوطا فقال : هذه سبل ، على كل سبيل شيطان يدعو إليه . الثالث : قال شيخ الإسلام تقيّ الدين ابن تيمية ، قدس سره ، في أول كتابه ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) : وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عامّا يعتقد مخالفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في شيء من سنته ، دقيق ولا جليل ، فإنهم متفقون اتفاقا يقينيّا على وجوب اتباع الرسول ، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك ، إلا الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . ولكن إذا وجد لواحد منهم قول ، قد جاء حديث صحيح بخلافه ، فلا بد له من عذر في تركه ، وجماع الأعذار ثلاثة أصناف : أحدها - عدم اعتقاده أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قاله ، الثاني - عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول ، الثالث - اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ . وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة - ثم أوسع المقال في ذلك . وذكر قدس سره ، في بعض فتاويه ، أن السلف والأئمة الأربعة والجمهور يقولون : الأدلة بعضها أقوى من بعض في نفس الأمر . وعلى الإنسان أن يجتهد
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الفتن ، 2 - باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : سترون بعدي أمورا تنكرونها ، حديث 2546 ونصه : عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال « من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه ، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية » . ( 2 ) أخرجه الترمذيّ في : الفتن ، 7 - باب ما جاء في لزوم الجماعة ، ونصه : عن ابن عمر أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الله لا يجمع أمتي ، ( أو قال أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ) على ضلالة ، ويد الله مع الجماعة ، ومن شذّ شذّ إلى النار » . ( 3 ) أخرجه الدارميّ في : المقدمة ، 23 - باب في كراهية أخذ الرأي ونصه : عن عبد الله بن مسعود : خط لنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يوما خطّا ثم قال « هذا سبيل الله » ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال « هذه سبل . على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه » . ثم تلا : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ .