محمد جمال الدين القاسمي
359
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بطلت فائدة التخصيص ، وهذا أنواع : أحدها : وهو الذي ساقه أبو شريح العدويّ لأجله ، أن الطائفة الممتنعة بها من مبايعة الإمام لا تقاتل لا سيما إن كان لها تأويل . كما امتنع أهل مكة من مبايعة يزيد ، وبايعوا ابن الزبير . فلم يكن قتالهم ونصب المنجنيق عليهم وإحلال حرم اللّه جائزا بالنص والإجماع ، وإنما خالف في ذلك عمرو بن سعيد الفاسق وشيعته ، وعارض نص رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم برأيه وهواه فقال : إن الحرم لا يعيذ عاصيا ، فيقال له : هو لا يعيذ عاصيا من عذاب اللّه ، ولو لم يعذه من سفك دمه لم يكن حرما بالنسبة إلى الآدميين ، وكان حرما بالنسبة إلى الطير والحيوان البهيم ، وهو لم يزل يعيذ العصاة من عهد إبراهيم صلوات اللّه عليه وسلامه ، وقام الإسلام على ذلك ، وإنما لم يعد مقيس ابن صبابة وابن خطل ومن سمي معهما لأنه في تلك الساعة لم يكن حرما بل حلّا ، فلما انقضت ساعة الحرب عاد إلى ما وضع عليه يوم خلق اللّه السماوات والأرض . وكانت العرب في جاهليتها ، يرى الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم فلا يهيجه ، وكان ذلك بينهم خاصة الحرم الذي صار بها حرما . ثم جاء الإسلام فأكد ذلك وقواه ، وعلم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أن من الأمة من يتأسى به في إحلاله بالقتال والقتل ، فقطع الإلحاق وقال لأصحابه : « فإن أحد ترخص لقتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقولوا : إن اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لك » ، وعلى هذا فمن أتى حدّا أو قصاصا خارج الحرم يوجب القتل ، ثم لجأ إليه ، لم يجز إقامته عليه فيه . وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال : لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه . وذكر عن عبد اللّه ابن عمر أنه قال : لو وجدت فيه قاتل عمر ما بدهته . وعن ابن عباس أنه قال : لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه ، وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم ، بل لا يحفظ عن تابعيّ ولا صحابيّ خلافه . وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه اللّه ومن وافقه من أهل العراق ، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث . وذهب مالك والشافعيّ إلى أنه يستوفي منه في الحرم كما يستوفي منه في الحل ، وهو اختيار ابن المنذر ، واحتج لهذا القول بعموم النصوص الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل مكان وزمان ، وبأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة « 1 » ، وبما
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : جزاء الصيد ، 18 - باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام ، حديث 933 ونصه : عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر . فلما نزعه جاء رجل فقال : إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة . فقال « اقتلوه » .