محمد جمال الدين القاسمي
357
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
البيت . قال ابن كثير : وقد كان ملتصقا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في إمارته إلى ناحية الشرق ، بحيث يتمكن الطّوّاف منه ، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف ، لأن اللّه تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده ، حيث قال : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [ البقرة : 125 ] ، وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة . قال المفسرين : ثمرة الآية الترغيب في زيارة البعض الحرم وفعل الطاعات فيه ، لأنه تعالى وصفه بالبركة والهدى وجعل فيه آيات بينات . لطيفة : مقام إبراهيم مبتدأ حذف خبره ، أي منها مقام إبراهيم ، أو بدل من آيات ، بدل البعض من الكل ، أو عطف بيان ، إما وحده باعتبار كونه بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة اللّه تعالى وعلى نبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، كقوله تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً أو باعتبار اشتماله على آيات كثيرة . قالوا : فإن كل واحد من أثر قدميه في صخرة صماء ، وغوصه فيها إلى الكعبين وإلانة بعض الصخور دون بعض ، وإبقاءه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام ، وحفظه ، مع كثرة الأعداء ، ألوف سنة ، آية مستقلة . ويؤيده قراءة ( آية بينة ) على التوحيد ، وإما بما يفهم من قوله عز وجل : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً فإنه وإن كان جملة مستأنفة ابتدائية أو شرطية ، لكنها في قوة أن يقال ( وأمن من دخله ) فتكون ، بحسب المعنى والمآل ، معطوفة على مقام إبراهيم ، ولا يخفى أن الاثنين نوع من الجمع فيكتفى بذلك ، أو يحمل على أنه ذكر من تلك الآيات اثنتان وطوى ذكر ما عداهما دلالة على كثرتها - أفاده أبو السعود . قال المهايميّ : فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ رمي الطير أصحاب الفيل بحجارة من سجيل ، وتعجيل عقوبة من عتا فيه ، وإجابة دعاء من دعا تحت ميزابه ، وإذعان النفوس لتوقيره من غير زاجر ، ومن أعظمها . النازل منزلة الكل ، مقام إبراهيم ، الحجر الذي قام عليه عند رفعه قواعد البيت ، كلما علا الجدار ارتفع الحجر في الهواء ، ثم لين ، فغرقت فيه قدماه ، كأنهما في طين ، فبقي أثره إلى يوم القيامة . ومن آياته أن من دخله كان آمنا من نهب العرب وقتالهم ، وقد أمن صيده وأشجاره . قال أبو السعود : ومعنى أمن داخله أمنه من التعرض له كما في قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [ العنكبوت : 67 ] ، وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [ إبراهيم : 35 ] ، وكان الرجل لو جرّ كل جريرة