محمد جمال الدين القاسمي

346

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 86 ] كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 86 ) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ استبعاد لأن يرشدهم اللّه للصواب ويوفقهم . فإن الحائد عن الحق ، بعد ما وضح له ، منهمك في الضلال ، بعيد عن الرشاد . وقيل : نفي وإنكار له ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ . والمعنيّ بهذه الآية إما أهل الكتاب والمراد كفرهم بالرسول صلى اللّه عليه وسلم حين جاءهم ، بعد إيمانهم به قبل مجيئه ، إذ رأوه في كتبهم وكانوا يستفتحون به على المشركين . وبعد شهادتهم بحقية رسالته لكونهم عرفوه كما يعرفون أبناءهم ، وجاءهم البينات على صدقه التي آمنوا لمثلها ولما دونها بموسى وعيسى عليهما السلام . فظلموا بحقه الثابت ببيناته وتصديقه الكتب السماوية . وإما المعنيّ بالآية من ارتدّ بعد إيمانه . على ما روي في ذلك كما سنذكره . ثم بين تعالى الوعيد على كلّ بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 87 ] أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 ) أُولئِكَ أي الموصوفون بما تقدم جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ أي طرده وغضبه وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ المراد بالناس إما المؤمنين أو العموم ، فإن الكافر أيضا يلعن منكر الحق والمرتد عنه ، فقد لعن نفسه . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 88 ] خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) خالِدِينَ فِيها أي في اللعنة أو العقوبة أو النار ، وإن لم يجر ذكرهما لدلالة الكلام عليهما . والتخليد في اللعنة على الأول بمعنى أنهم يوم القيامة لا يزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار ، فلا يخلو شيء من أحوالهم من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء ، أو بمعنى الخلود في أثر اللعن ، لأن اللعن يوجب العقاب ، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن ، ونظيره قوله تعالى : مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ