محمد جمال الدين القاسمي
343
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الميثاق لئن بعث اللّه محمدا ، وهو حيّ ، ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه . قال ابن كثير : وهذا لا يضادّ ما قاله طاوس والحسن وقتادة : أخذ اللّه ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا ، بل يستلزمه ويقتضيه ، ولهذا روى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه مثل قول عليّ وابن عباس - انتهى - ومن أثر عليّ عليه السلام هذا ، فهم بعض العلماء اختصاص هذا الميثاق بنبينا صلى اللّه عليه وسلم كما نقل القاضي عياض في ( الشفاء ) عن أبي الحسن القابسيّ قال : استخص اللّه تعالى محمدا بفضل لم يؤته غيره أبانه به . وهو ما ذكره في هذه الآية - انتهى - وقد علمت المراد . بقي أن الإمام أبا مسلم الأصفهانيّ ذهب إلى أن في قوله تعالى : مِيثاقَ النَّبِيِّينَ . حذف مضاف ، أي أممهم ، وعبارته : ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ اللّه الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم عند مبعثه ، وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكونون عند مبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم من زمرة الأموات ، والميت لا يكون مكلفا ، فلما كان الذين أخذ عليهم الميثاق يجب عليهم الإيمان بمحمد عليه السلام عند مبعثه ، ولا يمكن إيجاب الإيمان على الأنبياء عند مبعث محمد عليه السلام ، علمنا أن الذين أخذ الميثاق عليهم ليسوا هم النبيين ، بل هم أمم النبيين . قال : ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق ، أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين ، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء عليهم السلام ، وإنما يليق بالأمم . أجاب القفال رحمه اللّه فقال : لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ، ونظيره قوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] ، وقد علم اللّه تعالى أنه لا يشرك قط ، ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض ، فكذا هنا . وقال : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ [ الحاقة : 44 - 46 ] ، وقال في صفة الملائكة : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : 29 ] ، مع أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم : لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [ الأنبياء : 27 ] ، وبأنهم : يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ النحل : 50 ] . فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير ، فكذا هاهنا .