محمد جمال الدين القاسمي

306

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه ( إيثار الحق على الخلق ) فقال ما نصه : وزاد الحق غموضا وخفاء أمران : أحدهما : خوف العارفين ، مع قلتهم ، من علماء السوء وسلاطين الجور ، وشياطين الخلق ، مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن وإجماع أهل الإسلام . وما زال الخوف مانعا من إظهار الحق ، ولا برح المحق عدوّا لأكثر الخلق . وقد صح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال في ذلك العصر الأول : حفظت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » وعاءين فأما أحدهما فبثثته في الناس ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم . وما زال الأمر في ذلك يتفاحش . وقد صرح الغزاليّ بذلك في خطبة ( المقصد الأسنى ) ولوّح بمخالفته أصحابه فيها كما صرح بذلك في شرح ( الرحمن الرحيم ) فأثبت حكمة اللّه ورحمته ، وجوّد الكلام في ذلك ، وظن أنهم لا يفهمون المخالفة ، لأن شرح هذين الاسمين ليس هو موضع هذه المسألة ، ولذلك طوى ذلك ، وأضرب عنه في موضعه ، وهو اسم الضار كما يعرف ذلك أذكياء النظار . وأشار إلى التقية الجوينيّ في مقدمات ( البرهان ) في مسألة قدم القرآن . والرازيّ في كتابه المسمّى ( بالأربعين في أصول الدين ) - إلى آخر ما ساقه المرتضى فانظره . وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي ذاته المقدسة ، فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه ، وموالاة أعدائه ، وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهيّ في القبح . وذكر النفس ، ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى ، فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أي المنقلب والمرجع ليجازي كل عامل بعمله . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 29 ] قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 29 ) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هذا توعد . وأراد إخفاء مودة الكفار وموالاتهم

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : العلم ، 42 - باب حفظ العلم ، حديث 103 .