محمد جمال الدين القاسمي
304
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فأظهروا معهم الموالاة باللسان دون القلب لدفعه ، كما قال البخاريّ عن أبي الدرداء أنه قال « 1 » : إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم . وأصل تُقاةً وقية ، ثم أبدلت الواو تاء ، كتخمة وتهمة وقلبت الياء ألفا . وفي المحكم : تقاة يجوز أن يكون مصدرا وأن يكون جمعا ، والمصدر أجود ، لأن في القراءة الأخرى : تقية . تنبيه : قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة الآية الكريمة تحريم موالاة الكفار ، لأن اللّه تعالى نهى عنها بقوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ، ثم استثنى تعالى ( التقية ) فرخص في موالاتهم لأجلها . فتجوز معاشرة ظاهرة ، والقلب مطمئن بالعداوة لهم والبغضاء وانتظار زوال المانع . وقد قال الحاكم : في الآية دلالة على جواز إظهار تعظيم الظلمة ، اتقاء لشرهم . قال : وإنما يحسن بالمعاريض التي ليست بكذب ، وقال الصادق : التقية واجبة ، وإني لأسمع الرجل في المسجد يشتمني فأستتر عنه بالسارية لئلا يراني . وعن الحسن : تقية باللسان ، والقلب مطمئن بالإيمان . واعلم أن الموالاة ، التي هي المباطنة والمشاورة وإفضاء الأسرار للكفار ، لا تجوز ، فإن قيل : قد جوز كثير من العلماء نكاح الكافرة ، وفي ذلك من الخلطة والمباطنة بالمرأة ما ليس بخاف ، فجواب ذلك : أن المراد موالاتهم في أمر الدين ، وفيما فيه تعظيم لهم . فإن قيل . في سبب نزول الآية أنه صلّى اللّه عليه وسلم منع عبادة بن الصامت عن الاستعانة باليهود على قريش ، وقد حالف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم اليهود على حرب قريش ، وفي هذا دلالة على جواز الاستعانة بهم ، وقد ذكر الراضي باللّه أنه يجوز الاستعانة بالفسّاق على حرب المبطلين . قال : وقد حالف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم اليهود على حرب قريش وغيرها إلى أن نقضوه يوم الأحزاب . وحدّ صلّى اللّه عليه وسلم الحلف بينه وبين خزاعة . قال الراضي باللّه : وهو ظاهر عن آبائنا عليهم السلام ، وقد استعان عليّ عليه السلام بقتلة عثمان . ولعل الجواب - واللّه أعلم - أن الاستعانة جائزة مع الحاجة إليها . ويحمل على هذا استعانة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لليهود . وممنوعة مع عدم الحاجة ، أو خشية مضرة منهم . وعليه يحمل حديث عبادة بن الصامت . فصارت الموالاة المحظورة
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأدب ، 82 - باب المداراة مع الناس ونصه : ويذكر عن أبي الدرداء : إنا لنكشر في وجوه قوم ، وإن قلوبنا لتلعنهم .