محمد جمال الدين القاسمي

287

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فإنها القصد والمآل . فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ، ونعلم أن وعدك لا يكون خلفا ، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبدا ، ومن منحته الرحمة والهداية بقي هناك في السعادة والكرامة أبدا . فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء ، ما يتعلق بالآخرة - أفاده الرازيّ - ثم قال : احتجّ الجبائي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق ، قال : وذلك لأن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد بدليل قوله تعالى : أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [ الأعراف : 44 ] . والوعد والموعد والميعاد واحد . وقد أخبر في هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد . فكان هذا دليلا على أنه لا يخلف في الوعيد . والجواب : لا نسلّم أنه تعالى يوعد الفساق مطلقا ، بل ذلك الوعيد عندنا مشروط بشرط عدم العفو ، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة ، فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل ، فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل منفصل ، سلمنا أنه يوعدهم ، ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد . أما قوله تعالى : فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ، قلنا : لم لا يجوز أن يكون ذلك ، كما في قوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * [ آل عمران : 21 ] . وقوله : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [ الدخان : 49 ] . وأيضا لم لا يجوز أن يكون المراد منه أنهم كانوا يتوقعون من أوثانهم أنها تشفع لهم عند اللّه ، فكان المراد من الوعد تلك المنافع . وذكر الواحديّ في ( البسيط ) طريقة أخرى فقال : لم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء ، دون وعيد الأعداء ، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب . قال : والدليل عليه أنهم يمدحون بذلك ، قال الشاعر : إذا وعد السرّاء أنجز وعده * وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه وروى المناظرة التي دارت بين أبي عمرو بن العلاء ، وبين عمرو بن عبيد . قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد : ما تقول في أصحاب الكبائر ؟ قال : أقول إن اللّه وعد وعدا وأوعد إيعادا ، فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده ، فقال أبو عمرو بن العلاء : إنك رجل أعجم ، لا أقول أعجم اللسان ، ولكن أعجم القلب . إن العرب تعدّ الرجوع عن الوعد لؤما ، وعن الإيعاد كرما ، وأنشد : وإني وإن أوعدته أو وعدته * لمكذب إيعادي ومنجز موعدي واعلم أن المعتزلة حكوا أن أبا عمرو بن العلاء لما قال هذا الكلام ، قال له عمرو بن عبيد : يا أبا عمرو ؟ فهل يسمى اللّه مكذب نفسه ؟ فقال : لا ، فقال عمرو