محمد جمال الدين القاسمي

278

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أحدهما - في معرفة المحكم والمتشابه أنفسهما والتمييز بينهما حتى يردّ المتشابه إلى المحكم ، وثانيهما - اختلافهم هل يعلمون تأويل المتشابه ، ثم اختلافهم في تأويله على تسليم أنهم قد عرفوا المتشابه . ولنذكر سبب وقوع المتشابه على العقول من حيث الحكمة والدقة في كتب اللّه تعالى أولا ، والمشهور أن سببه الابتلاء بالزيادة في مشقة التكليف لتعظيم الثواب ، وهذا أنسب بالمتشابه من حيث اللفظ . وأما أنا فوقع لي أن سببه زيادة « علم اللّه » على علم الخلق ، فإن العوائد التجربية ، والأدلة السمعية ، دلت على امتناع الاتفاق في تفاصيل الحكم ، وتفاصيل التحسين والتقبيح ، ولذلك وقع الاختلاف بين أهل العصمة من الملائكة والأنبياء ، كما قال تعالى حاكيا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وآله : ما كانَ لِي ( مِنْ عِلْمٍ ) بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ ص : 69 ] ، وحكى اللّه تعالى اختلاف سليمان وداود ، وموسى وهارون ، وموسى والخضر . وصح في الحديث « 1 » اختلاف موسى وآدم ، واختلاف الملائكة في حكم قاتل المائة نفس « 2 » ، إلى أمثال لذلك قد أفردتها لبيان امتناع الاتفاق في نحو ذلك ، وإن علة الاختلاف التفاصيل في العلم ، فوجب من ذلك أن يكون في أحكام اللّه تعالى وحكمه ما تستقبحه عقول البشر ، لأن اللّه تعالى لو ماثلنا في جميع الأحكام والحكم دل على مماثلته لنا في العلم المتعلق بذلك وفي مؤداه ولطائفة وأصوله وفروعه ولذلك تجد الأمثال والنظراء في العلوم أقل اختلافا ، خصوصا من المقلدين . وإنما عظم الاختلاف بين الخضر وموسى لما خص به الخضر عليهما السلام . وهذه فائدة نفيسة جدا ، وبها

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأنبياء ، 31 - باب وفاة موسى وذكره بعد ، حديث 1604 ونصه : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم « احتج آدم وموسى . فقال له موسى : أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة ؟ فقال له آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ثم تلومني على أمر قدّر عليّ قبل أن أخلق ؟ » فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم « فحج آدم موسى » مرتين . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الأنبياء ، 54 - باب حدثنا أبو اليمان ، حديث 1629 ونصه : عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال « كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا . ثم خرج يسأل : فأتى راهبا فسأله . فقال له : هل من توبة ؟ قال : لا . فقتله . فجعل يسأل . فقال له رجل : ائت قرية كذا وكذا . فأدركه الموت . فناء بصدره نحوها . فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب . فأوحى الله إلى هذه : أن تقرّبي . وأوحى الله إلى هذه : أن تباعدي . وقال : قيسوا ما بينهما . فوجد إلى هذه أقرب بشبر . فغفر له .