محمد جمال الدين القاسمي

269

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقد رأيت بعض من ابتدع وجحد من أهل المغرب مع انتسابه إلى الحديث ، لكن أثرت فيه الفلسفة الفاسدة ، من يقول : إنا نسمي اللّه الرحمن الرحيم العليم القدير علما محضا من غير أن نفهم منه معنى يدل على شيء قط ، وكذلك في قوله : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ . يطلق هذا اللفظ من غير أن نقول له علم . وهذا الغلو في الظاهر ، من جنس غلو القرامطة في الباطن . لكن هذا أيبس وذاك أكفر . ثم يقال لهذا المعاند : فهل هذه الأسماء دالة على الإله المعبود ، أو على حق موجود . أم لا ؟ فإن قال : لا ، كان معطلا محضا . وما أعلم مسلما يقول هذا . وإن قال : نعم قيل له : فهل فهمت منها دلالتها على نفس الرب ، ولم تفهم دلالتها على ما فيها من المعاني من الرحمة والعلم ، وكلاهما في الدلالة سواء ؟ فلا بد أن يقول : لأن ثبوت الصفات محال في العقل ، لأنه يلزم منه التركيب أو الحدوث . بخلاف الذات . فيخاطب حينئذ بما يخاطب به الفريق الثاني كما سنذكره . وهو من أقر بفهم بعض معنى هذه الأسماء والصفات دون بعض . فيقال له : ما الفرق بين ما أثبته وبين ما نفيته أو سكت عن إثباته ونفيه ؟ فإن الفرق إما أن يكون من جهة السمع ، لأن أحد النصين دال دلالة قطعية أو ظاهرة ، بخلاف الآخر . أو من جهة العقل بأن أحد المعنيين يجوز أو يجب إثباته دون الآخر ، وكلا الوجهين باطل في أكثر المواضع ، أما الأول فدلالة القرآن على أنه رحمن رحيم ودود سميع بصير عليّ عظيم كدلالته على أنه عليم قدير ، ليس بينهما فرق من جهة النص . وكذلك ذكره لرحمته ومحبته وعلوه مثل ذكره لمشيئته وإرادته . وأما الثاني فيقال لمن أثبت شيئا ونفى آخر : لم نفيت ، مثلا ، حقيقة رحمته ومحبته وأعدت ذلك إلى إرادته ؟ فإن قال : لأن المعنى المفهوم من الرحمة في حقنا هي رقة تمتنع على اللّه ، قيل له : والمعنى المفهوم من الإرادة في حقنا هي ميل يمتنع على اللّه . فإن قال : إرادته ليست من جنس إرادة خلقه . قيل له : ورحمته ليست من جنس رحمة خلقه . وكذلك محبته . وإن قال ( وهو حقيقة قوله ) : لم أثبت الإرادة وغيرها بالسمع ، وإنما أثبت العلم والقدرة والإرادة بالعقل . وكذلك السمع والبصر والكلام على إحدى الطريقتين . لأن الفعل دل على القدرة ، والإحكام دل على العلم . والتخصيص دل على الإرادة . قيل له : الجواب من ثلاثة أوجه : أحدها - أن الإنعام والإحسان وكشف الضر دل أيضا على الرحمة كدلالة التخصيص على الإرادة والتقريب والإدناء . وأنواع التخصيص التي لا تكون إلا من المحب تدل على المحبة ، أو مطلق التخصيص يدل على الإرادة . وأما التخصيص