محمد جمال الدين القاسمي
266
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
صيغة تفضيل مثل أكبر وكبرى وأصغر وصغرى لا من أحمر وحمراء ، ولهذا يقولون : جئته أول من أمس وقال : مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [ التوبة : 108 ] . وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [ الأنعام : 163 ] . وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [ البقرة : 41 ] . ومثل هذا أول هؤلاء ، فهذا الذي فضل عليهم في الأوّل ، لأن كل واحد يرجع إلى ما قبله ، فيعتمد عليه ، وهذا السابق ، كلهم يؤول إليه . فإن من تقدم من فعل ، فاستبق به من بعده ، كان السابق الذي يؤول الكل إليه . فالأول له وصف السؤدد والاتباع . ولفظ الأول مشعر بالرجوع والعود . والأول مشعر بالابتداء ، والمبتدي خلاف العائد . لأنه إنما كان أولا لما بعده ، فإنه يقال ( أوّل المسلمين ) ، و ( أوّل يوم ) ، فما فيه من معنى الرجوع والعود ، هو للمضاف إليه لا للمضاف . وإذا قلنا : آل فلان فالعود في المضاف . لأن ذلك صيغة تفضيل في كونه مآلا ومرجعا لغيره . لأنه كونه مفضلا دلّ على أنه مآل ومرجع ، لا آيل راجع . إذ لا فضل في كون الشيء راجعا إلى غيره ، آئلا إليه ، وإنما الفضل في كونه هو الذي يرجع إليه ويؤال . فلما كانت الصيغة صيغة تفضيل أشعرت بأنه مفضل في كونه مآلا ومرجعا ، والتفضيل المطلق في ذلك يقتضي أن يكون هو السابق المبتدئ . واللّه أعلم . فتأويل الكلام ما أوّله إليه المتكلم أو ما يؤول إليه الكلام أو ما تأوله المتكلم . فإن التفعيل يجري على غير فعّل كقوله : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [ المزمل : 8 ] ، فيجوز أن يقال تأول الكلام إلى هذا المعنى تأويلا ، والمصدر واقع موقع الصفة ، إذ قد يحصل المصدر صفة بمعنى الفاعل . كعدل وصوم وفطر ، وبمعنى المفعول كدرهم ضرب الأمير ، وهذا خلق اللّه . فالتأويل هو ما أول إليه الكلام أو يؤول إليه ، أو تأول هو إليه . والكلام إنما يرجع ويعود ويستقر ويؤول ويؤوّل إلى حقيقته التي هي عين المقصود به ، كما قال بعض السلف في قوله : لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [ الأنعام : 67 ] . قال : حقيقة . فإن كان خبرا فإلى الحقيقة الخبر بها يؤول ويرجع ، وإلا لم تكن له حقيقة ولا مآل ولا مرجع ، بل كان كذبا . وإن كان طلبا فإلى الحقيقة المطلوبة يؤول ويرجع ، وإلا لم يكن مقصوده موجودا ولا حاصلا ، ومتى كان الخبر وعدا أو وعيدا فإلى الحقيقة المطلوبة المنتظرة يؤول . كما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه تلا هذه الآية : قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً [ الأنعام : 65 ] . قال : إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد .