محمد جمال الدين القاسمي

244

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 48 ] . على أن ترتب الثواب على ما حصل من غير سعي واختيار ، إن كان لمباشرة سببه مع الغفلة عنه ، فالعقاب أيضا كذلك . فمن عمل سيئة فعليه إثمها وإثم من عمل بها ، وإن صوّر بالإصابة عند أول الالتفات فلا مانع أن يكون العقاب مثله . ومدعي خلافه عليه البيان . نعم الإصرار شرط . لأن الرجوع يمحوه لكنه قدر زائد على الفعل . وبالجملة فما قاله جار اللّه حسن . وقد ذكره البيضاوي أيضا . وفي الإعراب الحلبيّ : الذي يظهر في هذا ، أن الحسنات مما تكسب دون تكلف . إذ كاسبها على جادة أمر اللّه ورسم شرعه ، والسيئات تكتسب بتكلف . إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي اللّه تعالى ، ويتجاوز إليها . فحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى واللّه أعلم . ثم قال ابن جماعة : والمبالغة من بالغ مبالغة اجتهد ولم يقصر . والاعتمال من اعتمل أي عمل بنفسه وأعمل رأيه وآلته . انتهى . قال البقاعي ولما بشرهم بذلك ، عرفهم مواقع نعمه من دعاء رتّبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلّي ، إعلاما بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسيانا ، ولا بما قارفوه خطأ ، ولا حمل عليهم ثقلا . بل جعل شريعتهم حنيفية سمحاء . ولا حملهم فوق طاقتهم . مع أن له جميع ذلك . وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم . ثم رحمهم بأن أحلّهم محل القرب فجعلهم أهلا للخلافة . فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر . ويظهر دينهم على كل دين . إذ كان سبحانه هو الداعي عنهم . وليكون الدعاء كله محمولا على الإصابة ومشمولا بالإجابة فقال تعالى : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا أي لا تعاقبنا إِنْ نَسِينا أمرك ونهيك أَوْ أَخْطَأْنا أي ففعلنا خلاف الصواب ، تفريطا ونحوه . وقد ولع كثير من المفسرين هاهنا بالبحث في أن النسيان والخطأ معفوّ عنهما ، فما فائدة طلب العفو عنهما ؟ وأجابوا عن ذلك بوجوه . وأرق جواب رأيته قول العلامة بير محمد في ( المدحة الكبرى ) : لما كان طالب العفو الرسول والأنصار والمهاجرون ومن كان على شاكلتهم ، فكأنهم يعدون النسيان من العصيان والخطأ من الخطيئة . كقوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [ المؤمنون : 60 ] . وقيل في معنى الآية : لا تعاقبنا إن تركنا أمرك أو اكتسبنا خطيئة . على أن يكون النسيان بمعنى الترك . والخطأ من الخطيئة . وعليه فلا إيراد ، واللّه أعلم . رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً أي عهدا يثقل علينا .