محمد جمال الدين القاسمي
242
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وُسْعَها . وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم : غفرانك ربنا . قال زين العابدين بير محمد دره في ( المدحة الكبرى ) : وعلى احتمال أن يكون قوله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ . . إلخ حكاية ، فهو من قبيل العطف بلا عاطف . أو الكلام على تقدير قالوا . قال بعضهم : ولك أن تجعل لا يُكَلِّفُ اللَّهُ . . . إلخ في حيز القول . وأن يكون حكاية للأقوال المتفرقة غير المعطوفة بعضها على بعض للمؤمنين . يكون مدحا لهم بأنهم شاكرون للّه تعالى في تكليفه . حيث يرونه بأنه لم يخرج عن وسعهم . وبأنهم يرون أن اللّه تعالى لا ينتفع بعملهم الخير ، بل هو لهم . ولا يتضرر بعملهم الشرّ ، بل هو عليهم . وقال البقاعيّ : وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلبا للوفاء بما أخبرهم به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم عنه سبحانه من ذلك ، خوفا من أن يكلفوا بما للّه تعالى أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس . لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه . ولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم . ومن صفات الحلم والرحمة ما يرفّه عنهم . ويحتمل أن يكون ذلك من قول اللّه تعالى جزاء لهم على قولهم : سَمِعْنا وَأَطَعْنا ، الآية . فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس . فانتفى ما شق عليهم من قوله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ ، الآية . بخلاف ما أفاد بني إسرائيل قولهم : سمعنا وعصينا ، من الآصار في الدنيا والآخرة . فيكون حينئذ استئنافا جوابا لمن كأنه قال : هل أجاب دعاءهم . ويؤيد هذا الاحتمال اتباعه لحكم ما في الوسع على طريق الاستئناف أو الاستنتاج بقوله : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ قال العلامة أبو السعود : قوله تعالى : لَها ما كَسَبَتْ إلخ . للترغيب في المحافظة على مواجب التكليف والتحذير عن الإخلال بها . ببيان أن تكليف كل نفس مع مقارنته لنعمة التخفيف والتيسير تتضمن مراعاته منفعة زائدة . وأنها تعود إليها لا إلى غيرها . ويستتبع الإخلال به مضرة تحيق بها لا بغيرها . فإن اختصاص منفعة الفعل بفاعله من أقوى الدواعي إلى تحصيله . واقتصار مضرته عليه من أشد الزواجر عن مباشرته . أي لها ثواب ما كسبت من الخير الذي كلفت فعله . لا لغيرها . وعليها لا على غيرها عقاب ما اكتسبت من الشر الذي كلفت تركه . وإيراد الاكتساب في جانب الشر لما فيه من اعتمال ناشئ من اعتناء النفس بتحصيل الشر وسعيها في طلبه . قال الحراليّ : وصيغة ( فعل ) مجردة ، تعرب عن أدنى الكسب . فلذلك من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة .