محمد جمال الدين القاسمي

238

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وإبداعه . ومن كان فاعلا لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد أن يكون عالما بها . إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به . فكأن اللّه تعالى احتج بخلقه السماوات والأرض ، مع ما فيها من وجوه الإحكام والإتقان ، على كونه تعالى عالما بها محيطا بأجزائها وجزئياتها . قال الشعبيّ : إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه ، بيّن أن له ملك السماوات والأرض ، فيجازي على الكتمان والإظهار . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن قوله تعالى : وَإِنْ تُبْدُوا . . ، إلخ نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها . وروى الإمام أحمد ومسلم « 1 » والنسائي وغيرهم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : لما نزلت هذه الآية وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا » . قال : فألقى اللّه الإيمان في قلوبهم فأنزل اللّه تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ( قال : قد فعلت ) رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا ( قال : قد فعلت ) وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا ( قال : قد فعلت ) . وفي مسند عبد اللّه بن حميد والطبراني : قال ابن عباس : فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها . وصار الأمر إلى أن قضى اللّه تعالى أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت من القول والعمل . أقول إنّ ما جاء من أن الآية هالت من هالت من الصحابة فإنما جاءه من عمومها ومن قوله يُحاسِبْكُمْ إذ حمله على حساب المؤاخذة ، فأما عمومها فنظمها ظاهر فيه . إلا أنها تتناول الشهادة وكتمانها أولا وبالذات . وغيرها ثانيا وبالعرض . وأما حمل الحساب على المؤاخذة والانتقام فإن كان عرفيا أو لغويا فالإخفاء حينئذ مراد به إخفاء متفق على حظره . كنفاق وريب في الدين . ولا إشكال في الآية . وقد يؤيده ذكر الإيمان بعده . ويكون ختام السورة بالإبداء والإخفاء بمثابة رد العجز على الصدر . لافتتاح السورة بالمؤمنين والكافرين وما لكل منهما . وإن لم يكن الحساب حقيقة فيما ذكر بل كان معناه إيقافه تعالى العبد على عمله خيرا أو شرا وإراءته عاقبته الحسنى أو السوءى ، وهو الذي يظهر ، فلا

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 200 .