محمد جمال الدين القاسمي
234
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
المداينات وصل أحدهما إلى حاجته بقبض رأس المال ، والآخر لم يصل . فلعل ذلك يحمله على إنكار الحق والجحود . فإذا تذكر أنه كتب وأشهد عليه ارتدع عن الإنكار والجحود . لما يخاف ظهور كذبه وفضيحته على الناس . ولا كذلك مع العين بالعين . لأن كل واحد منهما لا يصل إلى حاجته إلا بما يصل به الآخر . فليس هنالك للإنكار معنى ، وثمة وجه آخر وهو أنه يجوز أن ينسى فينكر ذلك . أو ينسى بعضه ويذكر بعضا ، فأمر بالكتابة لئلا يبطل حق الآخر بترك الكتابة . ولا كذلك في بيع العين بالعين . فافترقا . كذا في التأويلات للماتريديّ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ أي الدين المذكور كاتِبٌ بِالْعَدْلِ الجار متعلق إما بالفعل أي ( وليكتب بالحق ) . أو بمحذوف صفة لكاتب ، أي : وليكن المتصدي للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى أحد الجانبين . لا يزيد ولا ينقص . وهو أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه ديّن ، حتى يجيء كتابه موثوقا به معدلا بالشرع . وَلا يَأْبَ أي ولا يمتنع كاتِبٌ من أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ أي كما بيّنه بقوله تعالى بِالْعَدْلِ . أو لا يأب أن ينفع الناس بكتابته . كما نفعه اللّه بتعليم الكتاب . كقوله تعالى : وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [ القصص : 77 ] . وفي الحديث « 1 » : « إن من الصدقة أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق » . و في الحديث الآخر : « من كتم علما يعلمه ، ألجم بلجام من نار » . قال الرازيّ : ظاهر هذا الكلام نهي لكل كاتب عن الامتناع من الكتابة . وإيجابها على كل من كان كاتبا فَلْيَكْتُبْ أي تلك الكتابة المعلمة . أمر بها بعد النهي عن إبائها تأكيدا لها وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الإملال الإملاء . وهما لغتان نطق القرآن بهما . قال تعالى : فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ [ الفرقان : 5 ] . أي وليكن المملي على الكاتب المدين وهو الذي عليه الحق ، لأنه المقر المشهود عليه وَلْيَتَّقِ أي وليخش المملي اللَّهَ رَبَّهُ جمع ما بين الاسم الجليل والنعت الجميل ، للمبالغة في التحذير وَلا يَبْخَسْ أي لا ينقص مِنْهُ أي مما عليه شَيْئاً مما عليه من الدين فَإِنْ كانَ المدين وهو الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أي خفيف الحلم أو جاهلا
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : العتق ، 2 - باب أي الرقاب أفضل . ونصه : عن أبي ذر رضي الله عنه قال : سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أي العمل أفضل ؟ قال « إيمان بالله وجهاد في سبيله » قلت : فأي الرقاب أفضل ؟ قال « أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها » قلت : فإن لم أفعل ؟ قال « تعين صانعا أو تصنع لأخرق » . قال : فإن لم أفعل ؟ قال « تدع الناس من الشر ، فإنها صدقة تصدّق بها على نفسك » .