محمد جمال الدين القاسمي

228

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

زيادة . وأي زيادة أفضل مما تبقّى عند اللّه ؟ ولو لم يكن نقصان الربا إلا حصوله من مخالفة اللّه وارتكاب نهيه لكفى به نقصانا . وأي نقصان أفحش مما يكون سبب حجاب صاحبه وعذابه ونقصان حظه عند اللّه ؟ . الثانية : قال القاشانيّ : عليه الرحمة ، قبل ذلك : آكل الربا أسوأ حالا من جميع مرتكبي الكبائر . فإن كل مكتسب له توكل مّا في كسبه ، قليلا كان أو كثيرا . كالتاجر والزارع والمحترف . إذ لم يعينوا أرزاقهم بعقولهم ولن تتعين لهم قبل الاكتساب . فهم على غير معلوم في الحقيقة . كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أبى اللّه أن يرزق المؤمن إلا من حيث لا يعلم » « 1 » . وأما آكل الربا فقد عين على آخذه مكسبه ورزقه . سواء ربح الآخذ أو خسر . فهو محجوب عن ربه بنفسه ، وعن رزقه بتعيينه . لا توكّل له أصلا . فوكله اللّه تعالى إلى نفسه وعقله . وأخرجه من حفظه وكلاءته . فاختطفه الجن وخبلته . فيقوم يوم القيامة ولا رابطة بينه وبين اللّه كسائر الناس المرتبطين به بالتوكل . فيكون كالمصروع الذي مسه الشيطان فتخبطه ، لا يهتدي إلى مقصد . الثالثة : قال بعض العلماء العمرانيين : يشترط لجواز التمول أن يكون من وجه مشروع كما في مقابلة عمل أو معاوضة . وأن لا يتجاوز المال قدر الحاجة بكثير . ولذا حرمت الشرائع السماوية كلها . وكذلك الحكمة السياسية والأخلاقية والعمرانية . أكل الربا ، قصدا لحفظ التساوي والتقارب بين الناس في القوة المالية . لأن الربا هو كسب بدون مقابل ماديّ ، ففيه معنى الغصب . وبدون عمل ، ففيه الألفة على البطالة المفسدة للأخلاق . وبدون تعرض لخسائر طبيعية ، كالتجارة والزراعة والأملاك . ومن المشاهد أن بالربا تربو الثروات فيختل التساوي بين الناس . ثم قال : وقد نظر الماليون . والاقتصاديون في أمر الربا فقالوا : إن المعتدل منه نافع بل لا بد منه . أولا لأجل قيام المعاملات الكبيرة . وثانيا لأجل أن النقود الموجودة لا تفي للتداول ، فكيف إذا أمسك المكتنزون قسما منها أيضا ؟ وثالثا لأجل أن الكثيرين من المتمولين لا يعرفون طرائق الاسترباح أولا يقدرون عليها . كما أن كثيرا من العارفين بها لا يجدون رؤوس أموال ولا شركاء عنان . فهذا النظر صحيح من وجه إنماء ثروات الأفراد والأمم . أما السياسيون

--> ( 1 ) أخرجه الديلمي من حديث أبي هريرة ، من رواية عمر بن راشد ، وهو ضعيف جدا .