محمد جمال الدين القاسمي

218

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فضل الفقر على الغنى وعرف خطر الأغنياء لما استحقر الفقير بل تبرك به وتمنى درجته ، فصلحاء الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام . وقد أطال الغزاليّ رحمه اللّه من هذا النفس العالي . فليراجع . فصل في هديه صلّى اللّه عليه وسلم في الزكاة والصدقة قال شمس الدين ابن القيّم الدمشقيّ في ( زاد المعاد ) : هديه صلّى اللّه عليه وسلم في الزكاة أكمل هدي في وقتها ، وقدرها ونصابها ، ومن تجب عليه ، ومصرفها . ويراعى فيها مصلحة أرباب الأموال ومصلحة المساكين وجعلها اللّه سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه . وقيد النعمة به على الأغنياء . فما أزال النعمة بالمال على من أدى زكاته . بل يحفظه عليه وينميه له ويدفع عنه بها الآفات ، ويجعلها سورا عليه وحصنا له وحارسا له . ثم قال في ( هديه صلّى اللّه عليه وسلم في صدقة التطوع ) : كان صلّى اللّه عليه وسلم أعظم الناس صدقة مما ملكت يده . وكان لا يستكثر شيئا أعطاه للّه تعالى ولا يستقله . ولا يسأله أحد شيئا عنده إلا أعطاه قليلا أو كثيرا . وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر . وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه . وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه . وكان أجود الناس بالخير يمينه كالريح المرسلة . وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه . وكان يتنوع في أصناف عطائه وصدقته . فتارة بالهبة وتارة بالصدقة وتارة بالهدية وتارة بشراء شيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعا كما فعل بجابر « 1 » . وتارة كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه ، وأفضل

--> ( 1 ) أخرج البخاريّ في : البيوع ، 34 - باب شراء الدواب والحمير ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : كنت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم في غزاة فأبطأ بي جملي وأعيا . فأتى عليّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فقال « جابر ! » فقلت : نعم . قال : « ما شأنك ؟ » قلت : أبطأ عليّ جملي وأعيا فتخلفت . فنزل يحجنه بمحجنه . ثم قال « اركب » فركبت . فلقد رأيته أكفّه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . قال « تزوجت ؟ » قلت : نعم . قال « بكرا أم ثيبا ؟ » قلت : بل ثيبا . قال « أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ؟ » قلت : إن لي أخوات فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن . قال : « أما إنك قادم . فإذا قدمت فالكيس ! الكيس ! » ثم قال « أتبيع جملك ؟ » قلت : نعم . فاشتراه بأوقية . ثم قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قبلي وقدمت بالغداة . فجئنا إلى المسجد . فوجدته على باب المسجد . قال « الآن قدمت ؟ » قلت : نعم . قال « فدع جملك فادخل فصل ركعتين » فدخلت فصليت . فأمر بلالا أن يزن لي أوقية . فوزن لي بلال فأرجح في الميزان . فانطلقت حتى وليت . فقال « ادع لي جابرا » قلت : الآن يردّ عليّ الجمل . ولم يكن شيء أبغض إليّ منه . قال : « خذ جملك ولك ثمنه » .