محمد جمال الدين القاسمي
216
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ومجاهد . قال الشعبيّ ( بعد أن قيل له : هل في المال حق سوى الزكاة ؟ ) قال : نعم . أما سمعت قوله عزّ وجلّ : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى . . . الآية [ البقرة : 177 ] ، واستدلوا بقوله عزّ وجلّ : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * [ البقرة : 3 ] . وبقوله تعالى : أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ [ المنافقون : 10 ] . وزعموا أن ذلك غير منسوخ بآية الزكاة بل هو داخل في حق المسلم على المسلم . ومعناه أنه يجب على الموسر ، مهما وجد محتاجا ، أن يزيل حاجته فضلا عن مال الزكاة . وقسم يقتصرون على أداء الوجوب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون منه . وهي أقل الرتب . وقد اقتصر جميع العوام عليه . لبخلهم بالمال وميلهم إليه ، وضعف حبهم للآخرة . قال اللّه تعالى : إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ [ محمد : 37 ] . يحفكم أي : يستقص عليكم . فكم بين عبد اشترى منه ماله ونفسه بأن له الجنة ، وبين عبد لا يستقصي عليه لبخله . فهذا أحد معاني أمر اللّه سبحانه عباده ببذل الأموال . المعنى الثاني التطهير من صفة البخل فإنه من المهلكات . قال صلى اللّه عليه وسلم : « ثلاث مهلكات : شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه » . وقال تعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * [ الحشر : 9 ] . وإنما تزول صفة البخل بأن تتعود بذل المال . فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير اعتيادا . والزكاة ، بهذا المعنى ، طهرة . أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك . وإنما طهارته بقدر بذله وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه للّه تعالى . المعنى الثالث شكر النعمة . فإن للّه عزّ وجلّ على عبده نعمة في نفسه وفي ماله . فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن . والمالية شكر لنعمة المال ، وما أخسّ من ينظر إلى الفقير ، وقد ضيّق عليه الرزق ، وأحوج إليه ، ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر اللّه تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه . فصل وللغزاليّ رحمه اللّه أيضا بحث في المنّ والأذى المتقدم ذكرهما . يجدر ذكره هنا ، لما فيه من الفوائد لطالب الآخرة . قال رحمه اللّه : الوظيفة الخامسة ( يعني من وظائف مريد طريق الآخرة بصدقته ) أن لا يفسد صدقته بالمنّ والأذى ، قال اللّه تعالى : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [ التغابن : 16 ] . واختلفوا في حقيقة المنّ والأذى . فقيل : المنّ أن يذكرها . والأذى أن يظهرها . وقال : سفيان : من منّ فسدت صدقته . فقيل له : كيف المنّ ؟ فقال : أن يذكره ويتحدث به . وقيل : المنّ أن يستخدمه بالعطاء . والأذى أن