محمد جمال الدين القاسمي

200

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقال الناصر في ( الانتصاف ) : الأولى في هذه الآية أن يذكر فيها المختار في تفسيرها من المباحث الممتحنة بالفكر المحرر ، والنكت المفصحة بالرأي المخمّر ، فنقول : أما سؤال الخليل عليه السلام بقوله له : كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى . فليس عن شك ، والعياذ باللّه ، في قدرة اللّه على الإحياء . ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء . ولا يشترط في الإيمان الإحاطة بصورتها . فإنما هي طلب علم ما لا يتوقف الإيمان على علمه . ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة ( كيف ) وموضوعها السؤال عن الحال . ونظير هذا السؤال أن يقول القائل : كيف يحكم زيد في الناس ؟ فهو لا يشك أنه يحكم فيهم ولكنه سأل عن كيفية حكمه ، لا ثبوته . ولو كان الوهم قد يتلاعب ببعض الخواطر فيطرّق إلى إبراهيم شكا من هذه الآية . وقد قطع النبيّ عليه الصلاة والسلام دابر هذا الوهم بقوله : نحن أحق بالشك من إبراهيم أي : ونحن لم نشك . فلأن لا يشك إبراهيم أحرى وأولى . ( فإن قلت ) إذا كان السؤال مصروفا إلى الكيفية التي لا يضرّ عدم تصورها ومشاهدتها بالإيمان ولا تخلّ به ، فما موقع قوله تعالى أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ؟ قلت : قد وقعت لبعض الحذاق فيه على لطيفة ، وهي أن هذه الصيغة تستعمل ظاهرا في السؤال عن الكيفية كما مرّ . وقد تستعمل في الاستعجاز . مثاله أن يدعي مدع أنه يحمل ثقلا من الأثقال وأنت جازم بعجزه عن حمله فتقول له : أرني كيف تحمل هذا ؟ فلما كانت هذه الصيغة قد يعرض لها هذا الاستعمال الذي أحاط علم اللّه تعالى بأن إبراهيم مبرأ منه - أراد بقوله : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ أن ينطق إبراهيم بقوله : بَلى آمنت . ليدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظيّ في العبارة الأولى . ليكون إيمانه مخلصا ، نص عليه بعبارة يفهمها كل من يسمعها فهما لا يلحقه فيه شك . ( فإن قلت ) قد تبيّن لي وجه الربط بين الكلام على التقدير المبين . فما موقع قول إبراهيم : وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ؟ وذلك يشعر ظاهرا بأنه كان عند السؤال فاقدا للطمأنينة . قلت : معناه : ولكن ليزول عن قلبي الفكر في كيفية الحياة . لأني إذا شاهدتها سكن قلبي عن الجولان في كيفياتها المتخيلة وتعينت عندي بالتصوير المشاهد . فهذا أحسن ما يجري لي في تفسير هذه الآية . وربك الفتاح العليم . انتهى . قالَ أي : إذ أردت الطمأنينة فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ بضم الصاد وكسرها بمعنى فأملهنّ واضممهن إليك . يقال : صاره يصوره ويصيره إذا أماله لغتان .