محمد جمال الدين القاسمي
194
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
دخل فيه على بيّنة . ومن عمي قلبه فإنه لا يفيده الدخول فيه مكرها مقسورا : فالنفي بمعنى النهي . وهو ما ذهب إليه في تأويل الآية كثير . وذهب آخرون إلى أنه خبر محض . أي أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر وإنما بناه على التمكين والاختيار . قال القفال - موضحا له - لما بيّن تعالى دلائل التوحيد بيانا شافيا قاطعا للعذر ، أخبر بعد ذلك أنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر . إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه . وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء . إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان . ونظير هذه الآية قوله تعالى : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 29 ] . وقوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ يونس : 99 ] . وقوله تعالى : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [ الشعراء : 3 - 4 ] . تنبيه : علم من هذه الآية أن سيف الجهاد المشروع في الإسلام والذي لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر لم يستعمل للإكراه على الدخول في الدين . ولكن لحماية الدعوة إلى الدين والإذعان لسلطانه وحكمه العدل . فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ أي بالشيطان . أي بما يدعو إليه من عبادة الأوثان وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها أي فقد تمسك من الدين بأقوى سبب . وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم . هي في نفسها محكمة مبرمة قوية . وربطها قويّ شديد . وجملة ( لا انفصام لها ) إما استئناف مقرر لما قبلها ، وإما حال من ( العروة ) والعامل ( استمسك ) أو من الضمير المستتر في ( الوثقى ) وإما صلة لموصول محذوف أي ( التي ) . نقله الرازيّ . و قد روى الشيخان عن عبد اللّه بن سلام قال : رأيت رؤيا على عهد محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأيت كأني في روضة خضراء وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء . في أعلاه عروة . فقيل لي : اصعد عليه . فقلت : لا أستطيع . فجاءني منصف ( أي وصيف ) فرفع ثيابي من خلفي ، فقال : اصعد فصعدت حتى أخذت بالعروة . فقال : استمسك بالعروة ، فاستيقظت وإنها لفي يدي . فأتيت رسول