محمد جمال الدين القاسمي
178
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قال الزمخشريّ : خبر ( عسيتم ) ألا تقاتلوا . والشرط فاصل بينهما . والمعنى : هل قاربتم ألا تقاتلوا . يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون . أراد أن يقول عسيتم ألا تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال ، فأدخل ( هل ) مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون ، وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ [ الإنسان : 1 ] ، معناه التقرير . وقرئ عسيتم بكسر السين ، وهي ضعيفة . قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ ، أي وأي سبب لنا في ترك قتال عدونا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا ، أي والحال أنه قد عرض ما يوجب القتال إيجابا قويّا من أخذ بلادنا وسبي أولادنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ بعد إلحاحهم في طلبه تَوَلَّوْا ، أي أعرضوا عن قتال عدوهم جبنا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وعيد لهم على ظلمهم بالتولّي عن القتال وترك الجهاد وعصيانا لأمره تعالى . قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة هذه الآية الكريمة أنها دلت على أحكام : الأول وجوب الجهاد لأن اللّه تعالى إنما ذكر هذه القصة المشهورة في بني إسرائيل وما نالهم تحذيرا من سلوك طريقهم . وأيضا : شرائع من قبلنا تلزمنا . الثاني أن الأمير يحتاج إليه في أمر الجهاد لتدبير أمورهم . وقد « 1 » كان صلّى اللّه عليه وسلم إذا بعث سرية أمّر عليها أميرا . قال في الكشاف : وروي « 2 » أنه أمر الناس إذا سافروا ، أن يجعلوا أحدهم أميرا عليهم . الثالث : وجوب طاعة الأمير في أمر السياسة وتدبير الحرب . لأن سياق الآية يقضي بذلك ، في الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم « أطيعوا الأمير ولو كان عبدا حبشيا » « 3 » . وقد ذكر أهل علم المعاملة أنه ينبغي في الأسفار أن يجعل أهل السفر لهم أميرا ودليلا وإماما . وهذا محمود . إذ بذلك ينقطع الجدال وينتظم أمورهم . ويلزم مثل هذا في كل أمر يحتاج فيه إلى ترداد في الآراء . نحو أمور الأوقاف والمساجد والإمامة لكل
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الجهاد ، 82 - باب في دعاء المشركين حديث 2162 . وفي هذا الحديث وصيته صلّى اللّه عليه وسلم القيّمة لأمير الجيش . ( 2 ) أخرجه أبو داود في : الجهاد ، 80 - باب القوم يسافرون يؤمرون أحدهم ، حديث 2608 و 2609 . الأول عن أبي سعيد الخدريّ أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال « إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم » . والثاني عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم » . ( 3 ) أخرجه البخاريّ في : الأحكام ، 4 - باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ، حديث 434 ونصه : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم « اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشيّ كأن رأسه زبيبة » .