محمد جمال الدين القاسمي
162
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قال الحراليّ : إذا قرن هذا الإيراد بقوله : وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ خطابا للأزواج قوي فسر من جعل الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وهو الزوج معادلة للزوجات ، ومن خصّ عفوهن بالمالكات - أي الرشيدات - خصّ هذا بالأولياء . ونقل ابن جرير : أن الشعبيّ رجع إلى أنه الزوج ، وكان يباهل عليه . وقال الزمخشريّ : القول بأنه الوليّ ظاهر الصحة . وقال الناصر في ( حواشيه ) : وصدق الزمخشريّ أنه قول ظاهر الصحة ، عليه رونق الحقّ وطلاوة الصواب لوجوه ستة . ساقها بألطف بيان . فانظرها ، واللّه أعلم . وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ، هذا خطاب للرجال والنساء جميعا ، وغلب التذكير نظرا للأشرف . وروى ابن جرير عن ابن عباس قال : أقربهما للتقوى الذي يعفو ، وذلك لأنّ من سمح بترك حقه كان محسنا وذلك عنوان التقوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ، أي : التفضل بالإحسان لما فيه من الألفة وطيب الخاطر . فهو حثّ على العفو ، فمن عفا منهما فله الفضل على الآخر . ومعلوم أن النسيان ليس في الوسع حتى ينهى عنه . فالمراد منه الترك أي لا تتركوه ترك المنسيّ . فالتعبير بالنسيان آكد في النهي . والخطاب هنا أيضا للقبيلين بالتغليب ، كالذي قبله ، وخصّه الحراليّ بالرجال ، قال : فمن حقّ الزوج - الذي له فضل الرجولة - أن يكون هو العافي . وأن لا يؤخذ النساء بالعفو ، ولذلك لم يأت في الخطاب أمر لهنّ ولا تحريض . فمن أقبح ما يكون حمل الرجل على المرأة في استرجاع ما آتاها بما يصرح به قوله : وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [ النساء : 20 ] . فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا به . وقد حكى الزمخشريّ عن جبير بن مطعم ، أنه تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل لها الصداق وقال : أنا أحق بالعفو . . ! وعنه : أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتا له فتزوجها . فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كاملا ، فقيل له : لم تزوجتها ؟ فقال : عرضها عليّ فكرهت ردّه . قيل : فلم بعثت بالصداق ؟ قال : فأين الفضل ؟ . وقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ، أي : فلا يضيع تفضّلكم وإحسانكم . ولما كانت الحقوق المشروعة قبل ، مما قد يشق القيام بها على بعض