محمد جمال الدين القاسمي

159

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً ، أي : لا يستحيي منه عند أحد من الناس . فآل الأمر إلى أن المعنى : لا تواعدوهن إلا مالا يستحيى من ذكره فيسر وهو التعريض ؛ فنصّت هذه الآية على تحريم التصريح . بعد إفهام الآية الأولى لذلك ، اهتماما به لما للنفس من الداعية إليه - أفاده البقاعيّ . وقال الرازيّ : لما أذن تعالى في أول الآية بالتعريض ثم نهى عن المسارّة معها دفعا للريبة والغيبة ، استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف . وذلك أن يعدها في السرّ بالإحسان إليها ، والاهتمام بشأنها ، والتكفّل بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض ، واللّه أعلم . تنبيه : ما قدمناه من أنّ قوله تعالى وَلكِنْ . . . إلخ ، استدراك من قوله فِيما عَرَّضْتُمْ قاله أبو البقاء . وجعل الزمخشريّ المستدرك محذوفا دلّ عليه سَتَذْكُرُونَهُنَّ ، أي : فاذكروهنّ ولكن لا تواعدوهن سرا . قال الناصر : وقويت دلالة هذا المذكور على ما حذف . لأن المعتاد في مثل هذه الصيغة ورود الإباحة عقيبها . ونظير هذا النظم قوله تعالى : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ . . . [ البقرة : 187 ] الآية ، ولهذا الحذف سرّ - واللّه أعلم - وهو أنّه اجتنب لأن الإباحة لم تنسحب على الذكر مطلقا . بل اختصت بوجه واحد من وجوهه . وذلك الوجه المباح عسر التميز عمّا لم يبح . فذكرت مستثناة بقوله : إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً تنبيها على أن المحل ضيق والأمر فيه عسر ، والأصل فيه الحظر . ولا كذلك الوطء في زمن ليل الصوم . فإنه أبيح مطلقا غير مقيد ؛ فلذلك صدر الكلام بالإباحة والتوسعة . وجاء النهي عن مباشرة المعتكفة في المسجد تلوا للإباحة وتبعا في الذكر . لأنها حالة فاذّة . والمنع فيها لم يكن لأجل الصوم ولكن الأمر يتعلق به من حيث المصاحب ، وهو الاعتكاف . فتفطّن لهذا السرّ فإنه من غرائب النكت . وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ، ( العقدة ) بالضم من النكاح وكل شيء من البيع ونحوه ، وجوبه . قال الفارسيّ : هو من الشد والربط . وقال الرازيّ : أصل العقد الشدّ . وسميت العهود والأنكحة عقودا لأنها تعقد كما يعقد الحبل . وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقد النكاح . لأن العزم على الفعل يتقدمه . فإذا نهى