محمد جمال الدين القاسمي
143
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
من رواية سنيد بن داود في ( تفسيره ) عنه : إنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شيء ؛ وصحّ عن شريح - قاضي عليّ - وابن مسعود : إنها لا يلزم بها الطلاق . وهو مذهب داود بن عليّ وجميع أصحابه . فهذه أقوال أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم . فصل وقال الإمام ابن القيّم - أيضا - في ( أعلام الموقعين ) : إن المطلّق في زمن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وزمن أبي بكر ، وصدرا من خلافة عمر ، كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد جعلت واحدة . كما ثبت ذلك في ( الصحيح ) « 2 » عن ابن عباس . فروى مسلم في ( صحيحه ) عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس : كان الطلاق الثلاث على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر : طلاق الثلاث واحدة . فقال عمر بن الخطاب : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ؛ فأمضاه عليهم . وروى الإمام « 1 » أحمد عن ابن عباس قال : طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطّلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد ، فحزن عليها حزنا شديدا ؛ قال : فسأله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كيف طلقها ؟ قال : طلقها ثلاثا ، قال : فقال في مجلس واحد ؟ قال : نعم ! قال : فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت ، قال : فرجعها . فكان ابن عباس يرى : إنما الطلاق عند كلّ طهر . وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه . ثم إن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - لم يخف عليه . أن هذا هو السنة ، وأنه توسعة من اللّه لعباده إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة . وما كان مرة بعد مرة لم يملك المكلف إيقاع كلّه جملة واحدة . كاللعان فإنه لو قال : أشهد باللّه أربع شهادات إني لمن الصادقين ، كان مرة واحدة . ولو حلف في القسامة وقال : أقسم باللّه خمسين يمينا إن هذا قاتله ، كان يمينا واحدة . ولو قال المقرّ بالزنا : أنا أقرّ أربع مرات أني زنيت ، كان مرة واحدة . فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك الإقرار إلّا واحدا . وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم « 3 » : من قال في يوم ( سبحان اللّه وبحمده ) مائة مرة حطّت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر . فلو قال : ( سبحان اللّه
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الطلاق ، حديث 15 . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند 1 / 265 حديث 2387 . ( 3 ) أخرجه البخاريّ في : الدعوات ، 65 - باب فضل التسبيح ، حديث 2406 .